العدد : ١٥٢٣٤ - الأحد ٠٨ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٤ - الأحد ٠٨ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

مرة أخرى.. عن الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته

بقلم: د. مي أحمد شمندي {

الأربعاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

كثيرا ما يترامى على مسامعنا أن الذكاء الاصطناعي مبني على الخوارزميات، حيث سميت الخوارزمية بهذا الاسم نسبة إلى العالم أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي الذي ابتكرها في القرن التاسع الميلادي، وهنا يجب أن نوضح المقصود بالخوارزميات. الخوارزميات ببساطة هي مجموعة من الإجراءات والخطوات الرياضية والمنطقية والمتسلسلة اللازمة لحل مشكلة ما، بناءً على مجموعة من البيانات والمعطيات المتوافرة.

فعلى سبيل المثال عندما يُطلب من خبير في البرمجة أن يُعد لعبة أو مسابقة إلكترونية، فإن أول ما يفكر به هذا الخبير أو المتخصص، بعد فهم موضوع المسابقة ودراستها دراسة كافية، هو بناء أجزاء ومكونات هذه المسابقة ووضع استراتيجية أو نهج معين للحل بطريقة يمكن فيما بعد ترجمتها إلى لغة يفهمها الحاسوب، ولعل أبسط هذه الاستجابات هو اختيار المتسابق لإجابة قد تكون صحيحة أو خاطئة، يترتب عليها رد فعل تفاعلي مباشر، وهكذا توضع جميع الاحتمالات لأفعال المتسابقين المختلفة، وفي المقابل توضع جميع الاستجابات المتوقعة ومن ثم تسمى هذه الاستراتيجية في أوساط المختصين بالبرمجة باسم (الخوارزمية).

الذكاء الاصطناعي ليس شديد الحداثة كما يتصور البعض، حيث كان أول ظهور رسمي لمصلح الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence عام 1965م. في مؤتمر Dartmouth Conference ، حيث اجتمع عدد من أهم علماء الرياضيات والفيزياء والحاسوب أغلبهم من العاملين في شركة IBM حينها وقرروا إقامة مؤتمر في مجال البرمجيات الذكية، وخلال هذا المؤتمر الذي استمر من ستة إلى ثمانية أسابيع، تم إطلاق مصطلح Artificial Intelligence  على هذا الفرع من العلوم، وعلى أثر ذلك دعمت الولايات المتحدة الأمريكية المشاريع البحثية في هذا المجال بحوالي ثلاثة ملايين دولار سنويًا خلال الفترة 1965-1970.

ثم بدأت تطبيقات الذكاء الاصطناعي تأخذ منحى الظهور للعلن، ولعل من أبرز وأشهر تطبيقات الذكاء الاصطناعي المعروفة للعامة هي الحواسيب المتخصصة في لعبة الشطرنج، مثل حاسوب ديب بلو (DEEP BLUE) الذي تغلب على بطل العالم في الشطرنج جاري كاسباروف من خلال خوارزميات محددة تم تطويرها في بداية التسعينيات من القرن الماضي، من إنتاج شركة IBM، حيث انهزم كاسباروف على يد ديب بلو المرة الأولى سنة 1989 والثانية سنة 1996.

كما كان للسينما العالمية نصيب في نشر شيء من ثقافة الذكاء الاصطناعي فقد حاولت وبقوة رسم صورة مُقاربة لما يمكن أن يكون عليه الأمر فيما بعد بالفعل، فقد أنتجت هوليوود العديد من الأفلام التي تحاكي الذكاء الاصطناعي، وتحاكي المستقبل قبل أن يأتي بأكثر من 5 عقود لعل أولها كان فيلم  «DR. No»أول سلسلة أفلام قصص ضابط المخابرات البريطانية جيمس بوند، وكانت أيضًا أول بطولة للنجم العالمي شون كونري عام 1962. وكان الفيلم يحاكي كيفية استغلال الذكاء الاصطناعي في التغلب على العدو التقليدي، وتعد هذه الأفلام نتيجة طبيعية بسبب أن أغلب استخدامات الذكاء الاصطناعي بدأت في المجالات العسكرية والاستخباراتية، حيث بدأت داخل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.

أما على صعيد الهواتف الذكية التي وظفت فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي فكان من أكثر ما لوحظ من قبل المستخدمين لها وأثار إعجابهم هي قدرتها على إجراء مجموعة من المعالجات مثل تعديل التباين وتوازن اللون، وتحويل الليل إلى نهار، بل تعدى ذلك إلى إمكانية جعل البشرة تبدو أكثر نعومة، والألوان أغنى، والصور أقل ضبابية، كل ذلك يتم بطريقة آلية سهلة جدًا، حتى أصبح بإمكان الهواتف الذكية المزودة بنظام الذكاء الاصطناعي التقاط مجموعة متتالية من الصور باستخدام عدسات متعددة لالتقاط مجموعة متنوّعة من المعلومات، بعد ذلك يمكن لخوارزميّات الذكاء الاصطناعي الجمعُ بين أفضل هذه الصور، أو إنشاء صورة جديدة تمامًا لم تلتقطها أي كاميرا، ولكن هذا التحكم والقدرة على شبه إعادة رسم الصورة الأصلية التي تم التقاطها يثير المخاوف من قبل البعض وخاصة المعنيين بالتقارير الإخبارية مثل الصحفيين ومعدي البرامج الإخبارية والمحررين، وكذلك القانونيون من المحامين والقضاة والنيابة العامة، حيث يمكن للصور الفوتوغرافية أن تُستخدم كدليل في المحاكم القانونية.

ونظرًا إلى هذا التطور التقني الهائل والمتمثل في تطبيق خوارزميات الذكاء الاصطناعي والذي يمكن من خلاله التعديل والتغيير في الصور ومقاطع الفيديو، ظهرت أزمة ثقة في مصداقية ما نراه من صور ومن مقاطع فيديو، لذلك كان من الطبيعي أن يبحث المختصون عن حلول لمعالجة هذه الأزمة والتغلب عليها، وكان من هذه الحلول: وضع العلامات المائية الرقمية Digital watermarking، والتشفير السحابي Cloud-based encryption وهما أمران يمكن توظيفهما بسهولة، وكذلك تقنية بلوك تشين (سلسلة الكُتل) Blockchain التي تعتمد عليها البتكوين Bitcoin. 

ويجب ألا نغفل محورًا من أهم محاور الجدل وأكثرها خطورة في موضوع الذكاء الاصطناعي بداية من عملية التحليل والتصميم وصولا إلى التطبيق، وهو الحاجة إلى وضع قواعد أخلاقية تضمن عدم إساءة استخدام البيانات الفائقة التي يتم تحصيلها، حيث يبقى الجدل ساريًا حول من يملك الحق في تعريف هذه الأخلاقيات؟ ومن الذي سيقوم بوضعها وصياغتها؟ حيث ينقسم العلماء والمنفذون لتطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى قسمين، الفريق الأول عند التصميم والتطبيق يأخذ بمقياس الصالح العام، بينما الفريق الثاني يرى أن هناك أخلاقيات محددة ومكتوبة يجب أن تتبع بغض النظر عن أي ظروف وملابسات وأن تكون واضحة ولا تغفل قوانين حقوق الإنسان، ولكي تتضح الصورة يمكننا أن نضرب مثالا: لو أن القطارات تتم برمجتها على أن يتم تحويلها آليا في حال تعرضها لخلل في المكابح، فإن الفريق الأول قد يحدد أن يتم تحويلها تلقائيا إلى الخط الذي عليه أقل عدد من المشاة، بينما الفريق الآخر قد يختار أن تبقى العربة في مسارها من دون تغيير تفاديا لأن يكون هو من اختار وقرر إعدام أشخاص لا ذنب لهم في الحادث ولم يكونوا يسيرون في مكان خط سير القطار، وهكذا يبقى هذا الجدل مفتوحًا وبحاجة إلى مجموعة من الدراسات والتأطير بحضور كل من المعنيين بالتكنولوجيا بالإضافة إلى القانونيين والحقوقيين.

وختامًا نذكر أنه يتعين بذل جهود حثيثة لتوفير سبل الحماية الكافية لسلامة وخصوصية وهوية وأموال وملكيات الأفراد والمؤسسات والحكومات، لمواجهة التحديات الأمنية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي في مجالات متنوعة مثل: المعاملات المالية الإلكترونية والإدارة الإلكترونية والمدن الذكية المستدامة، بالإضافة إلى أهمية وضع المعايير الدولية المطلوبة واعتمادها وتيسير برمجيات مفتوحة المصدر تدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

‭{‬ دكتوراه الفلسفة في تكنولوجيا التعليم 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news