العدد : ١٥٢٧٨ - الثلاثاء ٢١ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٦ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٧٨ - الثلاثاء ٢١ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٦ جمادى الاول ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

سوريا والعراق أحقُّ بمحاكمة «الدواعش»

ترفعُ تركيا بينَ الحينِ والآخر في وجه أصدقائها الأوربيين ورقتي اللاجئين السوريين و«الدواعش»، كلما رفع هؤلاء من نبرات انتقاداتهم للسلوك السياسي التركي في عديدٍ من المجالات، آخرها الغزو الذي نفذته ضد الأراضي السورية في شمال شرق البلاد بحجة إبعاد الفصائل الكردية السورية عن حدودها إلى مسافة 30 كيلومترا بهدف إقامة منطقة «آمنة» لـ«إيواء» ملايين اللاجئين السوريين الموجودين فوق الأراضي التركية، فأحدث هذه الأوراق هي مئات المقاتلين المنتمين إلى ما يسمى بــ«الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) الذين تقول أنقرة، على لسان وزير خارجيتها، إنها تحتجزهم و«سترحلهم إلى بلدانهم سواء أسقطت هذه البلدان جنسياتها عنهم أم لا». 

وزير الخارجية التركي يقول إن بلاده تحتجز 1200 عنصر من داعش موقوفين في السجون التركية، منهم 287 عنصرا من التنظيم، بينهم نساء وأطفال أُلقي القبض عليهم منذ إطلاق تركيا ما أسمتها بعملية «نبع السلام» شرق الفرات بسوريا في التاسع من أكتوبر الماضي، وتركيا من حيث المبدأ ليست مسؤولة عن إيواء هؤلاء القتلة والصرف عليهم من أموال شعبها، لكنها بكل تأكيد ما كانت لتطلق مثل هذه التصريحات لو أن هؤلاء الإرهابيين ارتكبوا جرائمهم الشنيعة فوق الأراضي التركية وقتلوا مئات الآلاف من الأتراك، كما فعلوا في سوريا والعراق، فالتصرف الوحيد الذي ستقدم عليه تركيا هو محاكمتهم وإنزال العقاب القانوني الذي يستحقونه.

البعض يرى أن تركيا تستخدم هذه الأوراق لابتزاز أوروبا سياسيا وماليا، وخاصة جهة تمويل مصاريف ما تسميها بالمنطقة «الآمنة» التي تسعى إلى إقامتها على حدودها مع سوريا، وبعيدا عما إذا كانت أنقرة تقصد من وراء التلويح بهذه الأوراق ابتزاز أوروبا من عدمه، فإن أحدا لا يستطيع أن يلوم تركيا على موقفها الرافض بالإبقاء على الإرهابيين «الدواعش» المحتجزين لديها والصرف عليهم من أموال شعبها، لكن ما يضعف الموقف التركي في هذا الشأن هو اختيارها الجهة التي تنوي ترحيل «الدواعش» إليها، أي إلى أوطانهم، وجلهم من الدول الأوروبية.

هؤلاء «الدواعش» المحتجزون لدى تركيا، إنما نفذوا جرائمهم البشعة بحق الشعبين السوري والعراقي بالدرجة الأولى إلى جانب تنفيذهم لعمليات إعدام وقتل خارج القانون بحق عدد من مواطني الدول الأخرى، وأيضا تم ذلك فوق الأراضي السورية والعراقية، وبالتالي فإنه من الناحية القانونية، يجب محاكمة هؤلاء وفق القوانين العراقية والسورية إذ الجرائم التي اقترفوها ارتكبت فوق أراضي هاتين الدولتين، وبالتالي ما كان يجب على تركيا، حتى مجرد التفكير في إعادة هؤلاء «الدواعش» إلى البلدان التي يحملون جنسياتها، وإنما تسليمهم إلى الحكومتين السورية والعراقية لينالوا عقابهم على الجرائم التي اقترفوها.

بعد صدور التصريحات التركية بشأن عزم أنقرة ترحيل «الدواعش» المحتجزين لديها إلى بلدانهم، سارعت الحكومتان البريطانية والبلجيكية التأكيد مجددا على رفضهما استقبال مواطنيهما الذين قاتلوا في صفوف «داعش» فوزارة الداخلية البريطانية في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني بعد التصريحات التركية عبرت فيه بوضوح عن موقف بريطانيا من هذه المسألة إذ قالت إن هؤلاء، وتعني بهم عناصر «داعش»، يجب أن «يواجهوا العدالة في سوريا والعراق» لأنهم ارتكبوا الجرائم في هذين البلدين وليس على أراضيهم، الموقف نفسه كررته وزارة الخارجية البلجيكية.

فالعديد من الدول التي يحمل هؤلاء جنسياتها، سارعت إلى إسقاط الجنسية عنهم والغرض من وراء ذلك هو منعهم من العودة إلى تلك البلدان والحكومات هذه لن تأخذ التهديدات التركية على محمل الجد، بل ولن تتعاطى معها أصلا، وتركيا من ناحيتها لا تملك الآلية التي تمكنها من ترحيل هؤلاء إلى تلك البلدان، فالأمر الخطير، بالنسبة إلى هذه الحكومات، لا يتعلق فقط بتهمة الانضمام إلى تنظيمات إرهابية، وإنما بممارسة أعمال قتل واكتساب مهارات تنظيم وتنفيذ أعمال إرهابية، وهذا ما تؤكده الأعمال الإرهابية التي نفذتها عناصر منتمية إلى «داعش» في عدد من الدول الأوربية، وفي تركيا أيضا، والتي أثبتت التحقيقات أنهم عادوا من العراق أو سوريا. 

تركيا تعرف جيدا أن عناصر «داعش» يجب أن يحاكموا في البلدان التي ارتكبوا جرائمهم على أراضيها، وليس خارجها، وهنا يجب على أنقرة أن تتعاطى مع هذه القضية من الناحية القانونية وليس السياسية، فالقطيعة بينها وبين النظام في سوريا والتي وصلت إلى حد العداء المعلن، يجب ألا تكون عائقا أمام تطبيق القواعد والمبادئ القانونية المتعارف والمتفق عليها من جانب الفقهاء القانونيين، وأن تسلم أنقرة بأن المكان الصحيح قانونيا لمحاكمة هؤلاء المجرمين هو سوريا والعراق إذ ارتكبوا ما لا يحتمل ولا يصدق من الجرائم بحق الشعبين السوري والعراقي.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news