العدد : ١٥٢٣١ - الخميس ٠٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣١ - الخميس ٠٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

مقالات

عيسى رائد الإنسانية

بقلم: د. وجدان فهد

الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

لم يغب يوما عن وجداننا ولا عن ذاكرتنا الوطنية، فوجهه الذي لم يعرف العبوس يوما ومبسمه نحفظهما عن ظهر قلب ونتوق اليهما.. اذ نرى فيه الأبوة الحانية والرأفة الرحيمة على صغيرنا قبل كبيرنا. وهو القائد الذي خبر السياسة وإدارة شؤون الدولة، وخاض أعتى الأزمات الأمنية والتهديدات الخارجية، لكنه بحنكته وقف سدا منيعا، حاميا للدولة ولجيراننا الأوفياء. انه الوالد الحاكم الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة -طيب الله ثراه- الذي ولد في سنة 1933 وتوفي سنة 1999. وبين سنوات العمر كان قد ترأس بلدية المنامة ودشن مجلس الدولة وتقلد سموه الحكم في سنة 1961 ثم دشن المجلس الوطني، تلا ذلك تأسيسه لمجلس الشورى.

ولا غرو أن يدشّن الابن البار جلالة الملك المفدى حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله في سنة 2009 جائزة تحمل اسم والد البحرين الراحل تخليدا لذكراه العطرة ودليلا على اتباع نهجه -رحمه الله- في الاحسان والعطاء، وهي جائزة عيسى بن سلمان لخدمة الانسانية.

ولا شك أن هذه الجائزة أوجدت لنفسها الريادة في العالم حيث تبرز اعمال المؤسسات والافراد الذين يفضلون التواري عن الاضواء ويكتفون بالعمل لأجل الانسانية والإنسان، فإذا بهذه الجائزة تكتشفهم وتكتشف مخزون الرأفة والرحمة التي يحملونها للبشرية.

وخلال الدورة الرابعة للجائزة المنعقدة حاليا، فإن للفائز بها قصة جد مؤثرة وموضعا للعبرة والاقتداء، هو السيد عبدالستار أدهي صاحب مؤسسة أدهي لخدمة الانسانية في باكستان.

ويحظى عبدالستار أدهي بتقدير وثقة واحترام كبيرة في بلاده، فقد كرس حياته لخدمة البشر الأكثر فقراً، فأسس مؤسسة خيرية عملاقة من دون أي مساعدات حكومية أو دعم عالمي.. بنت مستشفيات للولادة ومشارح وأماكن مجهزة لإيواء الأيتام وملاجئ ودوراً للعجزة، وظل إلى حين وفاته في 8 يوليو 2016 يعمل بجدّ في مؤسسته، مكرساً حياته وحياة كل أفراد أسرته بأكملها لخير الناس. في بداية حياته، انخرط في تجارة الأقمشة التي يمتهنها والده، ولكنه سرعان ما هجر مهنة أبيه، ومع نفر من أصدقائه أنشأ مستوصفاً صغيراً من حجرة واحدة في حي ميثادار في مدينة كراتشي القديمة. امتلك سيارة صغيرة وأصبح يتجول بها في المدينة ناقلاً المرضى وجرحى الحوادث إلى المستشفيات للإسعاف. 

ومن هذه البداية المتواضعة أفلح في عام 1951 في إنشاء مؤسسة استهوت الآلاف من المتطوعين الذين يتبرعون بوقتهم وجهدهم لمساعدة الآخرين. يدير أبناؤه وبناته في الوقت الراهن 300 مركز للطوارئ منتشرة في كل أقاليم الباكستان، تعمل على مدار الساعة بأسطول قوامه 1500 سيارة إسعاف و28 قارب إنقاذ وثلاث طائرات إسعاف صغيرة اثنتان مستأجرتان وتم امتلاك الثالثة، وتتلقى المؤسسة 6 آلاف مكالمة يستقبلها 200 مخابر هاتفي لطلب خدمة الإسعاف يومياً. وبات لمؤسسة أدهي ملاجئ للأيتام ملحقة بالمدارس الابتدائية والثانوية ودور للمعاقين والأطفال المشردين، وأخرى لمدمني المخدرات ومساكن للنساء المعتدى عليهن. وهناك مراكز للأمومة ولتنظيم الأسرة ومعاهد لتدريب الممرضات وبنوك للدم ومستوصف للدرن ومستشفى للسرطان.

وتقدم المؤسسة عدة خدمات طبية، حيث تدير 8 مستشفيات مجانية، وعدة مستشفيات للعيون، ومراكز لمرضى السكر، ووحدات جراحية، ومستشفى صغيراً للسرطان، وعدة مستوصفات متنقلة، فضلاً عن بنكين للدم في كراتشي وحدها. وتوفر المؤسسة الغذاء والضروريات الأخرى للسجناء، كما أن هناك 15 مركزاً تابعاً للمؤسسة باسم «بيتنا» تقدم خدمة الإيواء للأطفال المعوزين والهاربين وذوي الاحتياجات الخاصة، كما تدير عدداً كبيراً من مراكز رعاية الأطفال المجهولي النسب باسم «مهد الأطفال» تضم ما يقرب من 20000 طفل، إضافة إلى عدد من دور الأيتام تضم 50000 يتيم. وتدير المؤسسة 330 مركزاً للرعاية في أرياف ومدن باكستان، تقدم الطعام والمأوى وإعادة تأهيل النساء والأطفال المهجورين، وتطبب المعاقين ذهنياً. وقامت المؤسسة بأعمال إغاثية في كل من إفريقيا والشرق الأوسط ومنطقة القوقاز وشرق أوروبا والولايات المتحدة (أثناء إعصار كاترينا الذي ضرب الولايات المتحدة الأمريكية عام 2005). أسس الراحل عبدالستار أدهي قبل وفاته عام 2016 مشروع (أدهي) للخمسين كيلومتراً، ويهدف إلى تقديم الخدمات الضرورية والأساسية لسكان الريف والحضر، حيث يركز المشروع على إنقاذ حياة المسافرين في الطرقات الداخلية والخارجية لكل مناطق باكستان والذين هم عرضة لحوادث السير.

وَمِمَّا يذكر أن جائزة عيسى لخدمة الإنسانية قد منحت في دوراتها الثلاث الماضية على التوالي للد. الماليزية جميلة محمود، وللبروفيسور الهندي أشيوتا سامنتا، ولمستشفى سرطان الأطفال بجمهورية مصر العربية. وتتميز جائزة عيسى لخدمة الإنسانية بين الجوائز العربية بكونها أول جائزة عربية في الخدمة الإنسانية تحظى بسمعة دولية ويتقدم إليها كل عام مترشحون من مختلف دول العالم، وتقع مسؤولية تحكيم أعمالهم على لجنة تحكيم من ذوي الخبرة يمثلون قارات العالم.

ان هذه الجائزة لمفخرة وطنية يحق لكل بحريني أن يتحدث عنها باعتزاز لأنها خير دليل على اهتمام دولته بالعطاء والإحسان.. فكل الشكر والاعتزاز لمجلس أمناء الجائزة وعلى رأسهم سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة نائب رئيس مجلس الوزراء والأمين العام للجائزة السيد الفاضل علي عبدالله خليفة وكافة السادة العاملين في لجان التحكيم والتنظيم للجائزة على جهودهم في إبراز الوجه الناصع لحقبة عيسى بن سلمان -طيب الله ثراه- وأياديه البيضاء وأيادي أسرته الكريمة وأبناء شعبه الذين يسيرون على نهجه ولا يتوانون في نصرة المستضعفين والمعوزين ويقدرون باحترام فائق كل من يعمل لأجل الإنسانية وغايته نبيلة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news