العدد : ١٥٢٣٨ - الخميس ١٢ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٨ - الخميس ١٢ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

حكومة إسرائيلية جديدة أم انتخابات ثالثة؟

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

يشهد الشارع الإسرائيلي حالة من الجدل، أفرزتها الانتخابات التشريعية الأخيرة؛ حيث وضعت إسرائيل على مفترق الطرق، فمازالت الدولة العبرية بلا حكومة، منذ انعقاد الانتخابات التشريعية في 17 سبتمبر 2019؛ فقد فشلت مداولات تشكيل حكومة وحدة وطنية بين حزبي الليكود وأزرق- أبيض، ووصلت إلى طريق مسدود، فنتنياهو لم يحصل على تأييد أغلبية أعضاء الكنيست؛ المكون من 120 مقعدا، وبناء عليه حاول حزب الليكود برئاسته- والذي يقود مجموعة من الأحزاب المتشددة، والتي تسيطر على 55 مقعدا منذ انتهاء الانتخابات- تشكيل حكومة قادرة على البقاء، وقائمة على التفاوض.

ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن؛ حيث تنازل نتنياهو عن التفويض الممنوح له بتشكيل الحكومة في 21 أكتوبر، والذي منحه إياه الرئيس الإسرائيلي «رؤوفين ريفلين»؛ نظرًا إلى إخفاقه في جمع عدد كاف من نواب الكنيست للانضمام إلى الائتلاف الحكومي المزمع تشكيله. 

وبموجب القانون الإسرائيلي يجوز للرئيس الإسرائيلي أن يُوكل هذه المهمة إلى عضو كنيست آخر خلال ثلاثة أيام، أو يبلغ رئيس الكنيست أنه لا يرى إمكانية للتوصل لتشكيل حكومة، ونتيجة لهذه التطورات، تسلم «بيني غانتس»- زعيم حزب أزرق- أبيض- مهمة تشكيل الحكومة، نظرًا إلى أن حزبه- الذي يرأس كتلة الوسط- سيطر على حوالي من 54 إلى 57 مقعدًا في الكنيست، إلا أن مهمة «غانتس» واجهت نفس مصير نتنياهو؛ فقد فشل في تكوين الحكومة خلال 28 يوما، ومن ثم أُلقي باللوم على الكنيست بسبب فشله، بجانب النزاعات البرلمانية التي صعَّبت مهمة تشكيل الحكومة.

وهذا الحدث غير المسبوق في تاريخ السياسة الإسرائيلية يثير تساؤلا مهما؟ ألا وهو: هل ستُجرى انتخابات للمرة الثالثة في عام واحد؟ أم ستتمكن القيادة الإسرائيلية من التوصل إلى توافق في الآراء لإقامة تحالف يقود البلاد في الفترة القادمة؟!

لقد أعلنت جميع الأطراف أن إجراء انتخابات جديدة أمر غير مرغوب فيه، وذلك لأن إجراء انتخابات للمرة الثالثة «أمر مؤسف بالنسبة إلى الشعب الإسرائيلي» كما تصف «كارميل أربيت»- زميلة الأمن القومي في المجلس الأطلسي- لأنه بحسب رأيها «سوف يكلفون الاقتصاد مليارات إضافية، وسوف يولد تراجعا بين الناخبين الذين زاد سخطهم، وسوف يسبب ركودا في الحكومة بشكل عام».

ومع ذلك تبقى احتمالية إجراء الانتخابات أمرا حتميا، إذا لم تستطع الأحزاب الرئيسية التغلب على الركود الذي أصاب السياسة الإسرائيلية طوال الستة أشهر الماضية، فثمة نظرة تفاؤلية- بين القادة المسؤولين عن تشكيل التحالف وبين مراقبي السياسة الإسرائيلية- ترى حدوث انتعاشة قريبة في السياسة الإسرائيلية؛ حيث التقى «غانتس» و«نتنياهو» للمرة الأولى في 27 أكتوبر لمناقشة خطتهما، وأصدرا بيانا إيجابيا، ومما جاء في هذا البيان المشترك: «ناقش رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو وزعيم حزب أزرق- أبيض، عضو الكنيست، بيني غانتس الخيارات السياسية المتاحة خلال الاجتماع»؛ وأضاف أنه «تم الاتفاق على أن فرق التفاوض بين الطرفين ستظل على اتصال».

وفي ضوء هذه المعطيات، فإن احتمال التوصل إلى توافق في الآراء لإقامة تحالف يتم بناؤه ضمن الإطار الزمني المحدد هو احتمال محدود، قد يخفق أو ينجح على الرغم من تفاؤلهم العام، نظرًا إلى وجود اختلافات كبيرة في النظرة السياسية والاستراتيجية العامة بين حزبي الليكود وأزرق- أبيض؛ فقد رفض «غانتس» وحزبه العديد من السياسات الأساسية التي أصبحت تحدد ملامح فترة وجود نتنياهو في السلطة، وتحديدا تلك التي تقود الأحزاب الدينية المتشددة داخل ائتلافه، ويسلط «فاتح إيشيك»، في «منتدى الشرق»، الضوء على هذه الحقيقة قائلا: «حتى لو تم تجاهل الخلافات لفترة وتم تشكيل الائتلاف، فمن المتوقع أن يكون عمر هذه الحكومة قصيرا بسبب الخلافات الخطيرة حول الأجندة السياسية للبلاد، وبخاصة فيما يتعلق بقضايا الأمن».

وتأتي الاختلافات الاستراتيجية بين الحزبين لتحتل مقدمة أسباب فشل التوافق بينهما، والتي من بينها الاتهامات الوشيكة الموجهة لـ«نتنياهو» والمتعلقة بقضايا فساد متعددة؛ حيث يئس رئيس الوزراء في الاحتفاظ بمنصبه، من أجل إقرار وتمرير تشريعات من شأنها إبعاده عن تهم الفساد التي تلاحقه أثناء توليه منصبه، وفي المقابل يسعى غانتس وحزبه إلى منع حدوث هذه التشريعات، ولهذا شنوا حملات شديدة ضده قبل الانتخابات، وصرح «غانتس» بموقفه إزاء هذه المسألة، فقال: «إحدى المشكلات الرئيسية في المفاوضات الحالية هي إصرار الليكود على المجيء إلى التحالف من خلال كتلة تضمن حصول نتنياهو على حصانة، وعلى عكس ما تريده الأغلبية، فإن حزب الليكود لا يريد نقاشًا في بعض المبادئ والقضايا السياسية الهامة». 

وقد زُعِمَ أن الرئيس الإسرائيلي قدَّم إلى غانتس ونتنياهو عرضًا بالتوصل إلى اتفاق على أساس تداول السلطة لإرضاء الطرفين- بغية التغلب على هذا الجمود-؛ حيث يرغب نتنياهو في تحصين نفسه من المساءلة القانونية بموجب تلك السلطة، بينما يريد غانتس تنصيب نفسه صانعًا للقرار، وأمام تقلص عدد مقاعد الليكود في الكنيست، يبدو أن نتنياهو قد يميل للبقاء رئيسا للوزراء بصورة شرفية، تمكنه من الهروب من المساءلة القانونية، لكن هذا الأمر مستبعد حدوثه، لأنه بحسب «يائير لابيد»- زعيم حزب «هناك مستقبل» - من الممكن تشكيل حكومة خلال يومين فقط إذا قَبِلَ نتنياهو أن يكون في المرتبة الثانية بالتناوب لرئاسة الحكومة».

وذهب محللون إلى أن نتنياهو يريد تأخير الاتفاق مع أزرق- أبيض رغم تلقيه لعروض للبقاء في منصبه، فـ«كيفن هاغارد» و«ناتان ساكس»- الباحثان بمعهد بروكنجز- يرون أن نتنياهو لا يرغب في تسليم السلطة إلا بعد انتهاء مدة ولايته، رغم علمه بضآلة إمكانية تشكيله لحكومة جديدة، وحسب قولهما، لا يريد نتنياهو المجازفة بالإسراع في تشكيل حكومة قد تصب في مصلحة مرشح غيره.

والواضح أن محاولات نتنياهو في التمسُّك بتلابيب السلطة لعدم الملاحقة القانونية ستبدو غير ناجعة؛ فقد نشرت وسائل إعلامية إسرائيلية متنوعة أن هناك تسريبات تفيد بقرب إعلان إدانة نتنياهو في نوفمبر الحالي، مما يشكل فرصة للضغط عليه لتقديم استقالته، ويسهل المفاوضات بين حزبي الليكود وأزرق- أبيض، وحول هذه الحقيقة يقول «برنارد أفيشاي» - في افتتاحية مجلة (نيويوركر)-: «إذا ما تم توجيه الاتهام إلى نتنياهو، فقد يشعر بأنه مضطر إلى الاستقالة.. لكنه، حتى الآن، يُصر على أنه يجب ألا يرحل إلا إذا أُدين.. لذلك، سيحاول على الأرجح مواجهة العاصفة والمجازفة في مواجهة حكم من المحكمة العليا بضرورة الاستقالة».

ومع احتمالية الاستقالة المسببة ستستمر لائحة الاتهام تُمثل عائقا أمام عملية تشكيل الائتلاف، وتميل «أربيت» - من المجلس الأطلسي- إلى هذا الرأي، فتقول: «في بعض الأحيان يكون الوقت لصالح «غانتس»، فمصير نتنياهو سيُحدد بواسطة محاكمته بتهمة الفساد... إذا تم اتهامه بالاحتيال، فمن المرجح أن يضعف موقفه أكثر بسبب التهم»، ووفقا لهذه الحيثيات المستقبلية يرى بعض المحللين أن هذا الأمر سيؤدي إلى انقلاب داخل حزب الليكود ضد نتنياهو، وتوضح «آربيت» آثار هذه التصدعات الليكودية فتقول: «آفاق الانشقاقات التي طال انتظارها من الليكود قد تزداد، وقد يبدأ شركاؤه في الائتلاف في البحث عن بدائل أخرى»، وعندئذ «يمكنهم إما الانضمام إلى حكومة غانتس أو في انتظار انتخابات ثالثة يشارك فيها نتنياهو دون تزعمه الليكود».

ويشير «هوغارد» و«ساكس» - من معهد بروكينجز- إلى ما يطمح إليه حزب غانتس، وما يمكن أن يتحقق عكسيا نظرًا إلى هذه الملاحقات، فيقولا: «يبدو أن حزب (أزرق-أبيض) يراهن على أن إعلان المدعي العام قريبًا بتوجيه اتهام لنتنياهو بالرشوة؛ من شأنه أن يعطي غطاءً سياسيًا لأعضاء الليكود بعدم إبرام اتفاق»، ومع ذلك، كما يشيرون»، «إذا قرر المدعي العام إسقاط تهمة الرشوة، مع الإبقاء على التهم الأقل خطورة، فإن قرار الاتهام يمكن أن يحقق النتيجة العكسية، من السماح لنتنياهو بمساحة أكبر للحركة داخل الليكود، بل ومن المفارقات تحقيقه حتى نصرا على مستوى الرأي العام»، وحتى لو تم تقديم لائحة الاتهام، فالأدلة قليلة في الوقت الحالي على وجود العديد من التحديات لزعامته، وحتى الآن لم يعلن أحد استعداده لتحدي نتنياهو على منصبه سوى جدعون سار-وزير الداخلية الأسبق- وإن كانت دائرة أعضاء الليكود وقاعدة الناخبين موالية لنتنياهو بشكل كبير، ومستبعد أن يمارسوا عليه ضغطا لكي يغادر.

وفي المقابل يحتفظ حزب أزرق- أبيض بالقدرة على التفاوض مع القائمة العربية المشتركة وحزب «إسرائيل بيتنا»- وهو حزب قومي علماني، يهودي متشدد- إلا أنه مستبعد دخول تلك القائمة في تحالف مع غانتس في الوقت الراهن؛ لأنه يوجد الكثير من القوميين المتشددين الرافضين لهذا التحرك، بحجة أن القائمة تدعم فصائل فلسطينية مثل حماس، وتجنبًا لمنع وقوع أي انقسامات داخل الحزب سيتجنب غانتس التعامل مع القائمة المشتركة كليًا.

أضف إلى ذلك أن حزب «إسرائيل بيتنا» يرفض أي شكل من أشكال التفاوض مع غانتس، وبات يتحكم في موازين القوى داخل السلطة الإسرائيلية قبل عملية الاقتراع لانتخابات أعضاء «الكنيست» الإسرائيلية الـ22, وذلك للمرة الثانية خلال 5 أشهر، ولهذا يستبعد جلوس ليبرمان – المتشدد - مع أي من الأحزاب الصهيونية الأرثوذكسية والدينية المتطرفة أو العربية؛ فقد وصفها بـ«أعداء دولة إسرائيل اليهودية العلمانية»، ومن ثمَّ فتشكيل الحكومة بزعامة غانتس والتحالف مع الأحزاب العربية وقائمتها المشتركة وحزب «إسرائيل بيتنا» غير ممكن لتشكيل حكومة ائتلافية.

وإلى الآن تبدو أن حالة التراشق المستمرة بين بين الليكود وأزرق- أبيض تنذر بتصاعد احتمالات إجراء انتخابات ثالثة في إسرائيل؛ حيث تصاعدت نبرة تبادل الاتهامات داخل الحلبة السياسية الإسرائيلية، وتأتي هذه الاتهامات مع وجود تحذيرات أمنية من وقوع اغتيال سياسي جديد في ظل الاستقطاب وتبادل التهم بين أقطاب السياسة، المتصارعين على دفة الحكم، ففي ذكرى اغتيال رابين الذي اغتيل في 4 نوفمبر 1995, حمل غانتس على خطاب الكراهية والتحريض، وهاجم قيادة نتنياهو «الخطيرة الضعيفة» دون ذكر اسمه، واعتبر بعض المعلقين الإسرائيليين أن أقوال غانتس هي خطاب الانتصار في الانتخابات العامة السابقة، فيما اعتبرها معلقون آخرون خطاب الانتخابات الثالثة في ظل استمرار الورطة السياسية، وعجزه هو الآخر عن تشكيل حكومة جديدة.

نخلص من ذلك إلى أنه بات من الواضح عدم وجود فرصة مؤكدة لتشكيل ائتلاف حكومي فعال وقابل للحياة للتطبيق في إسرائيل في الأشهر المقبلة، فاحتمالية استقالة نتنياهو إذا وجهت إليه الاتهامات واردة وممكنة، وقد يجبر عليها من قبل حزبه، وأيا كان الأمر، فإن التوصل إلى اتفاق بين الليكود وحزب أزرق- أبيض يعدُّ الحل الأمثل، إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يبقى العقبة الكؤود، التي تقف في ميلاد ووجود هذا الاتفاق في الوقت الحالي.

ووفقا لمعطيات الواقع ومخططات نتنياهو الرامية للبقاء في منصبه لتجنيب نفسه أي مقاضاة أو محاكمة، فإنه من المؤكد أنه لن يخرج من الحكومة بهدوء؛ ومن المشكوك فيه إرغام حزبه على الإطاحة به رغمًا عنه، ونظرًا إلى عدم رغبة ليبرمان في تقديم أي تنازلات بشأن وعوده الانتخابية، وخطورة تحالف القائمة العربية المشتركة مع حزب أزرق- أبيض منعًا لأي انقسامات داخل الأخير، قد يبدو أن الجمود، الذي ينتج عن وجود حكومة أقلية أو انتخابات ثالثة على الأرجح، أمر لا مفر منه، وفي كلتا الحالتين، فإن مستقبل نتنياهو كرئيس للوزراء أصبح الآن غير مؤكد أكثر من أي وقت مضى.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news