العدد : ١٥٢٣١ - الخميس ٠٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣١ - الخميس ٠٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

هل تعمق الانتخابات الرئاسية الانقسامات السياسية في أمريكا؟

بقلم: د. جيمس زغبي {

الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

ازداد عدد الأمريكيين الذين ينتمون إلى المعسكرين السياسيين المنقسمين والذين يعتبرون أن الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في سنة 2020 تكتسي أهمية بالغة لأنها تتعلق بمستقبل الولايات المتحدة الأمريكية برمتها. لا شك أن الكثير من القضايا السياسية ستكون على المحك في انتخابات 2020 غير أن تلك الانتخابات المنتظرة ستتعلق أيضا بدونالد ترامب وما فعله للسياسة الأمريكية. 

لا شك أن دونالد ترامب هو أكثر الرؤساء المثيرين للجدل في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، علما أنه يبدو أنه يستمتع هو نفسه بممارسة هذا الدور. لا يتعلق الأمر بطبيعة السياسة التي ينتهجها وإنما يتعلق أيضا بالدور الذي يلعبه في احتدام حالة الاستقطاب السياسي في المجتمع وهو ما انعكس في حدة الخطاب السياسي في الوقت الراهن. 

لقد ظل الرئيس ترامب يستغل الاجتماعات واللقاءات التي يعقدها من أجل التحريض ضد خصومه، وهو لا يتوانى في استخدام النعوت والكلمات المبتذلة من أجل تشويههم. ظل ترامب أيضا يستخدم حسابه على (تويتر) كي يطلق تغريدات ولقاءاته بالصحافة لنفس هذا الغرض – أي النيل من خصومه. 

رغم أن هذه التصرفات قد أزعجت بعض أعضاء المؤسسة الحزبية الجمهورية فإنهم قد تجنبوا انتقاد هذه السلوكيات لأنهم يخشون بالدرجة الأولى أن يصب عليهم جام غضبه ويسخر منهم. 

في الحقيقة فقد ظل الرئيس دونالد ترامب يستغل مشاعر الغضب بين شريحة من الناخبين الأمريكيين والذي يعيشون معاناة كبيرة بسبب تفاقم الأزمة الاقتصادية، ويجدون أنفسهم يواجهون تهديدات وتحديات ثقافية خارجة عن سيطرتهم، وسط تجاهل النخب السياسية في الحزبين الجمهوري والديمقراطي لأوضاعهم. 

هذه هي القاعدة الانتخابية التي يتغذى منها دونالد ترامب بقطع النظر عن الاسماء والعناوين التي تطلق عليهم، سواء الطبقة الوسطى من البيض أو الطبقة الشغيلة من البيض. فقد ظل الرئيس ترامب يستخدم هذه الشريحة بكل حنكة. فقد ظل يدين الاتفاقيات والمعاهدات التجارية والتي يزعم أنها أخرجت الوظائف الصناعية من الولايات المتحدة الأمريكية وحولتها إلى المكسيك والصين بحثا عن الأجور المتدنية، كما أنه يعتبر أن الضوابط والتشريعات البيئية هي التي جعلت الأمريكيين يفقدون وظائفهم في القطاع المنجمي. 

ظل الرئيس دونالد ترامب أيضا يسخر من المهاجرين ويتهمهم بأنهم هم الذين تسببوا في تشريد العمال المجدين وأن «النخب المرفهة» التي تعيش في المناطق الساحلية الراقية تتعالى عليهم وتحتقر القيم التي يؤمنون بها وتتجاهل طموحاتهم. ظل الرئيس ترامب يعزف على وتر مخاوف هذه الشريحة وشعورها بعدم الأمان ويعلق كل ذلك على شماعة المكسيكيين والمسلمين الذين حولهم إلى أكباش فداء. 

عندما يزعم ترامب أنه «سيعيد عظمة الولايات المتحدة» فإن القاعدة الانتخابية المؤيدة له تفهم أن هذا الكلام يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية ستستعيد أمجاد الماضي، وترتسم في ذهنها صورة رومانسية عن الأحياء التي يسكنها أبناء الطبقة المتوسطة – أحياء خالية من الجريمة، تكثر فيها الوظائف وتتوافر فيها الفرص لكل من «يلتزم بالقانون». 

لا شك أن هناك مشاكل تتعلق بالرسالة وحامل الرسالة نفسه. فدونالد ترامب يجسد «النخب المرفهة التي تعيش على الشواطئ الراقية» والتي يسخر منها. فأنشطته التجارية وقيمه وأسلوب عيشه لا تنتمي بأي شكل من الأشكال ولا تشبه تلك القاعدة الانتخابية التي يغازلها والتي يستمد منها التأييد. لا ننسى أيضا أن مشاريعه التجارية التي أفلست قد عادت بالوبال على آلاف العمال الذين فقدوا وظائفهم، كما أن المنتجعات التي يمتلكها تشغل عمالا لا يملكون وثائق قانونية.

لقد نقل دونالد ترامب وابنته خطوط إنتاجهم وعملياتهم إلى خارج الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن السياسات التي ينتهجها يستفيد منها الأغنياء ولم تؤد إلا إلى تعميق الفجوة في الرواتب. 

يبدو أن القاعدة الانتخابية التي تؤيد ترامب لا تأبه لأي من هذه المسائل، لأنه يخاطبهم مباشرة ويقنعهم بأنه هو الوحيد الذي يفهم ويدرك مخاوفهم وهواجسهم وهو الذي سيظل يقاتل من أجلهم ويدافع عنهم. لا شك أيضا أن هذه الشريحة الانتخابية التي تدعمه متعطشة لشخصية المنقذ وهي ترى فيه «الأمل الأخير»، الذي سيساعدها على تحسين ظروف عيشها، لذلك فإن هذه الشريحة تعتبر أن الانتقادات التي تستهدف رئاسة دونالد ترامب تمثل خطرا يتهدد رفاهيتهم. 

يجد الديمقراطيون اليوم أنفسهم أمام هذه الإشكالية التي تتمثل في كيفية التعامل مع هذا التحدي الذي بات يمثله دونالد ترامب، وخاصة أن المرشحين لخوض غمار الانتخابات الرئاسية لسنة 2020 لا يتفقون في الرأي. فهم يتفقون في القول إن التصرفات التي يفعلها دونالد ترامب مدانة وأن المضي قدما في إجراءات عزله يمثل أولوية قوية وضرورة دستورية. لكن ماذا عن الانقسامات السياسية والحزبية ثم ماذا عن كيفية التعامل مع القاعدة الانتخابية المؤيدة لدونالد ترامب؟ 

هناك تباين في الآراء والمواقف من هذه المسألة. يعتبر البعض أن الحاجة لا تدعو لمعالجة مشاكل ومشاغل هذا الشريحة الانتخابية وأن الهدف السياسي يتمثل في العمل على إلحاق الهزيمة بالرئيس دونالد ترامب وإخراجه من البيت الأبيض وإعادة الحكم إلى الديمقراطيين. أما الشق الثاني فهو يشمل أولئك الذين يعتبرون أنه لا بد من العمل على معالجة الشرخ والانقسام من خلال تبني خطاب الوحدة والتحضر. 

لا شك أن تحقيق الانتصار في الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في سنة 2020 يمثل هدفا مهمًّا بالنسبة إلى الديمقراطيين غير أن تولي الحكم في فترة ما بعد دونالد ترامب يمثل مسألة حساسة لا يمكن أن ننحيها جانبا بكل بساطة. فقد تسببت حالة الاستقطاب السياسي والحزبي الحادة في تفاقم الانقسامات. فعندما يسيطر أي من الحزبين على الكونجرس بمجلسيه والسلطة التنفيذية فإنه يتسنى تمرير القوانين غير أن المرارة والضغائن تكبر. يكفي أن نتذكر الكيفية التي رد بها «حزب الشاي» ضد باراك أوباما و«المقاومة» التي قوبل بها دونالد ترامب. فالانتصار في الانتخابات لا يكفي في حد ذاته بل إن الأهم هو تغيير السياسات وبناء حكومة ائتلافية من أجل التقدم بالولايات المتحدة الأمريكية إلى الأمام. 

لقد أظهرت نتائج استطلاعات الرأي أن هذا الانقسام السياسي ليس مجرد شرخ حزبي بل إنه ذو بعد ديمغرافي عميق أيضا. لا شك أن الكثير من المستشارين السياسيين المختصين في الانتخابات قد حددوا الدوائر المستهدفة ووجدوا الخطاب الذي يستهدف هذه الشرائح الانتخابية ويتيح التواصل معها. 

يعتبر الديمقراطيون أن الأمر يتعلق خاصة بالتركيز على ما أصبح يعرف باسم «ائتلاف أوباما»، وهو يشمل الناخبين الشبان و«الأقليات» والنساء العاملات المتعلمات وغيرهم من الفئات الأخرى المستهدفة. أما الجمهوريون فهم يركزون على الفئات التي يستهدفونها وهي تشمل الأثرياء والبيض وأولئك «الذين ولدوا من جديد» والناخبين الذين لم يتعلموا في الجامعات والناخبين الريفيين. 

لقد أدان الديمقراطيون انعدام المساواة وانتصروا للتعددية والتنوع والتسامح، كما اقترحوا جملة من البرامج الاجتماعية الرامية إلى تلبية حاجيات الفئات والشرائح الهشة. أما الجمهوريون فهم ينادون بضرورة تقليص حجم الحكومة وخفض الضرائب، إلى جانب حزمة من القضايا الاجتماعية الأخرى مثل مناهضة الإجهاض وحقوق المثليين، والتي يعتبرون أنها تهم الناخبين. 

لم يهتم أي أحد بأمر الناخبين البيض من الطبقة الوسطى وسط كل هذه الحسابات السياسية والانتخابية. فالديمقراطيون الذين كانوا يعتبرون أنهم يدافعون عن طبقة العمال يعطون الانطباع بأنهم قد تخلوا عنهم وأصبحوا يركزون على «أجندتهم الاجتماعية الليبرالية». 

أما الجمهوريون فإنهم يركزون على إبعاد هؤلاء الناخبين عن الديمقراطيين عبر إدانة نفس هذه «الأجندة الاجتماعية والليبرالية». كل ما فعله ترامب هو الجمع ما بين الخطاب الجمهوري التقليدي من ناحية والسعي لاستقطاب الفئات والشرائح الموجودة على يسار الطبقة العاملة من ناحية أخرى. فقد لامس ترامب غضبهم وإحباطهم وحولهم إلى قاعدة انتخابية مؤيدة له. 

يجب على الديمقراطيين ألا ينتصروا فقط بل يركزوا جهودهم على معالجة الانقسامات السياسية وتغيير الواقع السياسي والتخلي عن حساباتهم ومقارباتهم الضيقة على قاعدتهم والتحدث أيضا إلى تلك الشرائح التي استقطبها دونالد ترامب. 

إن الاستراتيجية التي ظل ينتهجها الديمقراطيون تركز على زيادة عدد المشاركين في الانتخابات وصب جام غضبهم على دونالد ترامب على أمل أن ينتصروا في الانتخابات. إن مثل هذه الاستراتيجية لن تفلح في تغيير وتوسيع نطاق الائتلاف الحاكم. 

يجب على الديمقراطيين أن يسعوا أيضا لتعميق تواصلهم مع قواعدهم الانتخابية والتحدث إليهم مباشرة على غرار ما يفعل الرئيس دونالد ترامب نفسه، ويعملوا على التركيز على الغضب الذي يشعر به اليسار الذي يحرك طبقة العمال، من كل الأعراق. إن الانتصار في الانتخابات وتغيير الحياة السياسية يتطلبان مقاربة جدية للسياسة. إن التجاهل أو السعي إلى كسب مزيد من الأصوات أكثر من الطرف الثاني من شأنه فقط أن يعمق الانقسامات. 

إن الأصوات التي تدعو للوحدة والتحضر لن تجدي نفعا إذا كان الناس يشعرون بالإساءة والإحباط وخيبة الأمل. لا بد من الالتفات إلى ما تشعر به هذه الفئة ومشاطرتها ما تشعر به من غضب. يمكن بهذه الطريقة فقط توحيد الناخبين حول أجندة تشمل كل الناخبين من مختلف الأعراق. يمكن عندها فقط أن نبدأ رحلة العلاج. 

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news