العدد : ١٥٢٣١ - الخميس ٠٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣١ - الخميس ٠٥ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

مقالات

رسالتي إلى خيرة الناس في لبنان

بقلم: خلف أحمد الحبتور

الاثنين ١١ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

لطالما كان لبنان بلدًا عزيزًا على قلبي، واليوم أعتزّ بالوقوف إلى جانب اللبنانيين الذين يتظاهرون رافعين الصوت ضد إجرام الطبقة السياسية الحاكمة التي تسببت باستنزاف مقدّرات البلاد وقضت على آمال الأجيال وحرمتهم من الفرص. لقد أثبت اللبنانيون أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي حيال خداعهم بعد الآن.

لطالما كانت الحكومة اللبنانية في قبضة زعماء المافيات الطائفية الذين يُحكمون الخناق حول أعناق البلاد والعباد ويتحصّنون خلف مليشيات مسلّحة ويؤدّون صاغرين طقوس الولاء لأمين عام حزب الله حسن نصرالله، عميل إيران التي تقوم بتمويله في لبنان، وذلك كي يحافظوا على ثرواتهم الطائلة ونفوذهم الواسع. ولكن لا بد لقطار الفساد الذي يركبونه أن ينقلب بهم وتلتهمه النيران.

ينتفض الشباب اللبناني على الخداع الذي يمارسه مروِّجو الآمال الزائفة الذين يطلقون التصريحات المعسولة، والذين دفعوا بالبلاد في مسارٍ انحداري يقودها نحو الانهيار. لقد سقطت الغمامة عن عيون الشعب اللبناني. ولم يعد خداعه ممكنًا على أيدي السلالات السياسية ولا أصحاب الحسابات المضخّمة في المصارف العالمية الذين يعيشون حياة رغيدة خلف جدران قصورهم الشاهقة.

أحيّي كل لبنانيٍّ نزل إلى الشارع بشجاعةٍ وإقدام في مسعى سلمي للإطاحة بحكومة تمتلئ بأباطرة الفساد الذين يفتقرون إلى الكفاءة ويسعون فقط خلف مصالحهم الشخصية. الوجوه نفسها تتنافس للحصول على قطعة من الكعكة منذ انتهاء الحرب الأهلية في عام 1990، ويتوارثون المناصب أبًا عن جد. السياسة في نظر أربابها الفاسدين في لبنان هي وظيفة مدى الحياة تُدرّ الأرباح لصاحبها، في حين أنها يجب أن تكون واجبًا وطنيا لخدمة البلاد وشعبها.

لقد بلغت البطالة في صفوف الشباب نسبة مرتفعة جدًا وصلت إلى 40 في المائة، ما يدفع بالخريجين الجدد إلى البحث عن فرص أفضل في الخارج. النمو الاقتصادي معدوم، والديون الحكومية التي تتخطى 150 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وكأن الشعب لا تكفيه معاناته، ليُضاف إليها الانقطاع المتكرر في التيار الكهربائي والنقص الشديد في المياه والأودية، وأكوام النفايات المتراكمة في الشوارع والطرقات والتي شوّهت جمال لبنان.

وكم كانت ملهِمة رؤية التجمعات الاحتفالية الجميلة والعفوية، حيث تقاطر اللبنانيون من مختلف الأعمار والانتماءات الدينية ووقفوا معًا في صفوف موحّدة وتكلّموا بصوت واحد رافعين العلم اللبناني دون سواه، ما يُبشّر بزوال الطائفية التي كانت سببًا لقدر كبير من العداء والعنف.

وقد أُطلِق أزلام «حزب الله» بين الحشود للتسبب بالفوضى والتهجّم على المعتصمين، ولكن طُلِب منهم الانسحاب من الساحات والطرقات بعدما جوبِهت محاولاتهم بمقاومة شديدة وباءت بالفشل. أما أنصار التيار الوطني الحر الذي ينتمي إليه رئيس الجمهورية ميشال عون، والمتحالِف مع «حزب الله» وحركة «أمل»، فقد طالبوا ببقاء عون في منصبه. في البداية، قال نصرالله إن الحكومة لن تستقيل محذّرًا من اندلاع حرب أهلية. ولكن منطق التهويل والتخويف لم يعد ينجح مع المتظاهرين، بل على العكس تمامًا، أسهم في تشديد عزيمتهم.

لقد عانى لبنان من انقسامات مجتمعية شديدة بسبب المعادلة السياسية الطائفية التي خلّفها الاستعمار الفرنسي، وجرى تثبيتها في اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية. وبموجب هذه المعادلة، تتوزّع المناصب السياسية بين الطوائف المختلفة التي يتكوّن منها النسيج الديني المتنوّع في لبنان.

هذه المنظومة السيئة لا تُشجّع على الخلاف والانقسام فحسب، بل غالبًا ما تؤدّي إلى استبعاد أصحاب الكفاءات والحؤول دون وصول الشخص المناسب إلى المكان المناسب بسبب الانتماء الديني. لبنان يحتاج إلى أكثر من مجرد حكومة جديدة، فهو بحاجة إلى إصلاح شامل للمنظومة السياسية بما يتيح اختيار المرشحين وفقًا لكفاءتهم لا طائفتهم، وهذا ما يطالب به الآن اللبنانيون الأخيار.

يطالب اللبنانيون بإلحاح بحكومة تمثّلهم وتكون من اختيارهم. وقد نجحوا حتى الآن في إسقاط حكومة رئيس الوزراء سعد الحريري الذي قدّم استقالته بعدما كان قد أطلق، في محاولة أخيرة، وعودًا بالإصلاح. حسنًا فعلتم أيها اللبنانيون! لقد نجحتم!

ولكن الخطر لا يزال يتربّص بلبنان وأهله. يترأس الحريري الآن حكومة تصريف أعمال، ويقول، وفقًا لصحيفة «دايلي ستار»، إنه مستعد لترؤس الحكومة من جديد بشرط أن تتألف من تكنوقراط مؤهّلين لإبعاد شبح الانهيار الاقتصادي.

إنه المسؤول الذي قال عند استقالته إنه وصل إلى «حائط مسدود». في هذه الحالة يجب أن يتحلى بالكرامة ليعلن انسحابه الدائم من الحياة السياسية. على الحريري وزملائه في الحكم أن يتنحوا جانبًا ويتركوا المشهد نهائيا وبلا رجعة.

الرسالة التي أوجّهها إلى اللبنانيين هي الآتية:

رجاءً، لا تسمحوا للزعماء الحاليين بأن يشوّهوا مطالبكم ويحرفوها عن مسارها الصحيح من خلال التلويح بخطر «الانهيار الاقتصادي» و«هبوط سعر الليرة اللبنانية». لو كان هؤلاء يتحلون بالكرامة لاستمعوا إلى تطلعاتكم وتركوا مناصبهم إفساحًا في المجال أمام وصول وجوهٍ جديدة تتمتع بالكفاءة وتحمل أفكارًا خلاّقة بما يُمكّنها من إعادة بناء الثقة وبالتالي استقطاب الاستثمارات التي تشكّل حاجة ماسّة للبلاد.

لا تسمحوا لمن يتمسّكون بكراسيهم ولا يتزحزحون عنها منذ عقود طويلة، بأن يماطلوا في تشكيل الحكومة أملاً بإنهاككم وإدخالكم من جديد في حالة سبات سياسي. استمروا في النضال الجميل من أجل حقوقكم ومستقبلكم طالما أن الزخم مستمر. ولا تنجرّوا وراء مَن احترفوا تخديركم لإيهامكم بأمان زائف. إنها فرصتكم. تمسّكوا بها!

أخيرًا وليس آخرًا، لا تثقوا بالدول الأجنبية لأنها لا تكترث لمصالحكم. صورة الأبطال الذين يهبّون للإنقاذ على أحصنتهم البيضاء هي ليست أكثر من مجرد وهم. جميعهم يتصرفون خدمةً لمصالحهم الخاصة، فلا تستبدلوا أسيادًا بآخرين. السبيل الوحيد لإنقاذ لبنانكم الحبيب هو أن تتسلموا زمام الأمور بأنفسكم. حافظوا على قوتكم وعزيمتكم، وسوف يكون النصر حليفكم بإذن الله. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news