العدد : ١٥٢٣٨ - الخميس ١٢ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٨ - الخميس ١٢ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

بـرامـج الـمــحـاكـاة وإدارة الأزمات: رؤية استراتيجية

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ١١ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

مع أهمية كافة القضايا الاستراتيجية التي تضمنها مؤتمر التكنولوجيا العسكرية في الشرق الأوسط والذي انعقد تزامنًا مع معرض البحرين الدولي الثاني للدفاع، فقد استوقفتني إحدى الجلسات التي كانت بعنوان «تطوير نماذج محاكاة للقتال المستقبلي» وذلك لسببين الأول: ارتباط مضمون تلك الجلسة بمسألة إدارة الأزمات وتحديدًا الإجراءات الاستباقية التي أضحت متطلبًا أساسيًا لعمل القوات المسلحة في كافة الدول في ظل تطور مفهوم التهديدات ذاتها بما يتطلبه ذلك من حتمية تطور أساليب مواجهتها بأساليب استباقية، أما السبب الثاني: فهو أن العديد من الكليات الدفاعية في العالم لا تولي تلك القضية أهمية على الجانب الأكاديمي فحسب بل تمكنت من صياغة سيناريوهات لأزمات متوقعة وتدريب أفراد القوات المسلحة على التعامل معها بما يحد من تداعياتها.

وببساطة شديدة مضمون برامج المحاكاة بالنسبة للأزمات هو تصميم سيناريوهات لأزمات متوقعة وذلك على المستوى النظري وتدريب أفراد المؤسسات العسكرية عليها من أجل إحداث التطابق بين ما هو متوقع على المستوى النظري وما يحدث إبان الأزمات على أرض الواقع، صحيح أن هناك مؤسسات معنية بإدارة الأزمات في العديد من دول العالم إلا أن وجود مثل هذه البرامج من شأنه الحد من تداعيات الأزمات حيث يكون لدى أفراد المؤسسة العسكرية خبرة مسبقة بما يمكن أن تؤول إليه الأزمات وخاصة أن جوهر تلك البرامج هو الإجابة عن تساؤل ذي أجزاء ثلاثة من يفعل ماذا وكيف؟ وهي عملية توزيع الأدوار والمهام خلال إدارة الأزمات عمومًا.

وعلى الرغم من أن تمرينات المحاكاة للأزمات تعد من أبرز تطورات الفكر العسكري الحديث إلا أنها ليست جهدًا نظريًا بحتًا كما يتصور البعض بل ان لها متطلبات أشار إلى بعضها المشاركون في المؤتمر وهي أولاً: دراسة البيئة التي سوف تعمل فيها تلك البرامج وهذا أمر مهم للغاية بما يعنيه ذلك أنه حتى لو أن مبادئ تلك البرامج واحدة فإن خصوصية البيئة سوف تفرض تعديل كل أو بعض ملامح تلك البرامج كما أشار الى ذلك البعض بالقول إن هناك أهمية لدراسة التعامل في المدن إبان الأزمات وأن حلف شمال الأطلسي «الناتو» لديه تمرينات بشأن العمل في المدن إبان الأزمات، ثانيًا: مع أهمية توظيف التكنولوجيا العسكرية لتصميم برامج محاكاة على مستوى عال من الدقة بحيث تحقق الهدف المرجو منها وهو ليس منع الأزمة أو الكارثة بل الحد من آثارها سواءً أكانت البشرية أو البيئية بل والتعامل مع مناطق مختلفة في الوقت ذاته فإن ذلك لا يعني إغفال المهددات التقليدية وهو ما اتضح خلال بعض الصراعات التي أودت بحياة ملايين البشر باستخدام أسلحة بدائية للغاية وهذا يجعل عنصر المفاجأة حاضرًا وبقوة خلال التعامل مع تلك الأزمات، وثالثًا: من المهم للغاية إيلاء العنصر البشري أهمية بالغة ضمن إعداد تلك النماذج من خلال التدريب والتأهيل اللازم لتنفيذ تلك البرامج بفاعلية ومع أهمية دور التكنولوجيا العسكرية في توفير الكثير من الوقت والجهد بيد أن ذلك يجب ألا يطغى على التفكير البشري الذي يظل خزانًا للأفكار والخيارات المتعددة، ورابعًا: أن تلك النماذج بؤرة مهمة للتفاعل بين العنصرين المدني والعسكري اللذين أضحى تعاونهما ضرورة لا غنى عنها ضمن مواجهة المستجدات الأمنية الراهنة، وخامسًا: أهمية إشراك مؤسسات المجتمع المدني ضمن تلك البرامج وهو ما اتضح في اليابان في التعامل مع الخطر الثلاثي الذي واجهته البلاد عام 2011 متمثلاً في التسونامي والزلازل والتسرب النووي إذ كان دور المجتمع المدني مكملاً للجهود الحكومية في التعامل مع تداعيات تلك الأزمة، فضلاً عن الجهود التي قامت بها مؤسسات المجتمع المدني في الهند عام 2008 إبان هجمات بومباي والتي كانت ملحوظة حتى قبل وصول القوات المسلحة الهندية إلى مكان الاعتداءات، وهذان المثالان لا يعكسان مفهوم الشراكة فحسب بل يعدان تجسيدًا للوعي المجتمعي بالأزمات ومتطلبات إدارتها.

ويعني ما سبق أن برامج المحاكاة المشار إليها لا تقتصر على الأزمات الأمنية الإقليمية فحسب بل أن تشمل الكوارث، صحيح أن منطقة الخليج تظل بعيدة عن مفهوم الكوارث الطبيعية إلا أنه في ظل استمرار الأزمات الإقليمية الراهنة فإن أزمات تلوث البيئة البحرية جراء تسربات نفطية تظل أحد السيناريوهات المتوقعة في هذا الشأن.

وبغض النظر عن مستوى التخطيط لتلك البرامج سواء أكانت تستهدف التعامل مع أزمات إقليمية أو كوارث طبيعية فإن الهدف الاستراتيجي المرجو من تلك البرامج يجب أن يكون توظيف كافة مصادر القوة لتحقيق الأهداف بأقل خسائر ممكنة، ويتحقق ذلك من خلال التنسيق الجيد بين فرق العمل المختلفة في ميدان الأزمة وتوزيع الأدوار بما يعني إنهاء الفجوة بين الموارد المتاحة والمخاطر المتوقعة وبرأيي أنه يمكن تحقيق ذلك من خلال ثلاثة أمور أولها: الاهتمام بإدارة الأزمات كمدخل عام لنماذج المحاكاة وخاصة تصميم السيناريوهات المستقبلية لتلك الأزمات، مع إمكانية دراسة أزمات إقليمية سابقة لاستخلاص بعض الدروس المستفادة منها، وثانيها: التدريب المستمر للكوادر البشرية على هذا النوع من التمرينات والتي تتطلب كفاءة بشرية عالية وتدريبًا نوعيًا أي زيادة جاهزية أفراد القوات المسلحة لتنفيذ مثل هذه البرامج المهمة، وثالثها: أن تتضمن تلك البرامج تدريبات محددة بشأن الأمن الإلكتروني باعتباره تحديًا ماثلاً في الوقت الراهن بل أنه يعكس وبوضوح أثر التكنولوجيا العسكرية الحديثة على الأمن الوطني للدول.

 ومع التسليم بأن قدرة الدول على تنفيذ تلك البرامج يعني أنها توظف قدراتها القتالية بشكل يتناسب وطبيعة التهديدات الأمنية، فإنه في الوقت ذاته يدخل ضمن الإجراءات الاستباقية أو الردع الاستباقي الذي من شأنه ليس فقط التعامل مع الأزمات بشكل احترافي بل والحد من آثارها في ظل عدم قدرة الدول على منع الأزمات الإقليمية أو حتى الكوارث.

وفي ظل استمرار الأزمات الإقليمية الراهنة والتي ازدادت مخاطرها في ظل توظيف الميلشيات الإرهابية المسلحة للتكنولوجيا الحديثة لاستهداف المنشآت الحيوية فإن دول الخليج يجب أن تولي المزيد من الاهتمام بمثل هذه البرامج أخذًا في الاعتبار أن تلك التنظيمات الإرهابية تلجأ الى كافة الوسائل للحفاظ على بقائها ومن ذلك على سبيل المثال البيان الذي أصدرته وزارة الداخلية المغربية في الأول من نوفمبر الجاري في أعقاب تفكيك خلية إرهابية تتبع تنظيم داعش حيث تم العثور معها على مواد كيماوية تدخل في صناعة العبوات المتفجرة، وكذلك في تحضير سموم قاتلة لها تأثيرات بالغة الخطورة على الإنسان والبيئة وهو مؤشر يعكس مدى أهمية اتخاذ إجراءات احترازية للتعامل مع سيناريوهات محتملة من هذا النوع. 

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

 بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news