العدد : ١٥٢٧٥ - السبت ١٨ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٧٥ - السبت ١٨ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ جمادى الاول ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

العراقيون يريدون وطنا حرا

ما يحدث في العراق من احتجاجات واسعة وصلت إلى حد إراقة الدماء وسقوط مئات المحتجين قتلى وإصابة الآلاف، بما في ذلك وسط رجال الأمن، ليس سوى نتيجة منطقية ومتوقعة بعد سنوات من سوء الإدارة وتراجع أداء أجهزة الدولة المختلفة، الأمر الذي انعكس سلبا على أوضاع المواطنين العراقيين المعيشية في بلد يسبح فوق ثروة طبيعية هائلة ومخزون بشري مؤهل لقيادة بلاده نحو النجاح والتطور، أضف إلى ذلك أن ما زاد الطين بلة، هو أن البلاد بعد الغزو الأمريكي عام 2003 وتدمير أركان الدولة العراقية وركائزها الضامنة، وفي مقدمتها الجيش والقوى الأمنية، أصبح البلد ملكا مشاعا للقوى الخارجية، من الجوار العراقي وخارجة، لدرجة أن المواطن العراقي بات يشعر بالغربة الاجتماعية والسياسية في بلاد طالما تغنت أجيالها بالوطنية والقومية وتفاخرت بحملها ألوية التحرر والبناء. 

ما يعيشه العراقيون حاليا ليس قدرهم المحتوم، فهذا الشعب يستحق أن يكون سيدا لوطنه وثرواته الطبيعية وحاكما فعليا لهذه الثروة، وأن يكون وحده دون سواه حارسا على كرامته الوطنية وليس رهينا في أيدي القوى الخارجية أو الداخلية التي تأتمر بأمرها، فالعراق يعيش محنة  حقيقية هي نتاج طبيعي لما زرعه مخططو الغزو الأمريكي وما نثروه من بذور فاسدة في التربة العراقية، هذه البذور التي انبثق عنها هذا الغرس الذي لا يمكن أن يعطي ثمارا صالحة لإطعام أبناء العراق، فالبذور الأمريكية، إن استمرت مستوطنة التربة العراقية، فإن المزيد من التعفن سيتواصل في تربة العراق ومعه ستتعاظم المحنة العراقية.

العراق يمر بواحدة من أصعب مراحله السياسية، وخاصة خلال هذه السنوات التي أعقبت جريمة الغزو الأمريكي الذي أسس لمرحلة جديدة في تاريخ العراق الحديث لم يشهد مثيلا لها من قبل، بما في ذلك المرحلة التي أعقبت إسقاط النظام الملكي في بغداد عام 1958، فخلال تلك السنوات كان العراق تحت لون اجتماعي واحد، أعني بذلك أن التقسيمات الاثنية بكل أشكالها العرقية والدينية والمذهبية لم تكن بائنة ومؤثرة كما هي عليه الآن في أوساط المجتمع العراقي، وكان الانتماء الوطني هو سيد جميع التحركات والتغييرات السياسية، والتي حدث جلها عبر الانقلابات العسكرية.

الحقيقة التي يجب أن نعترف بوجودها ونحذر من خطورة تجاهلها أو عدم أخذ الحيطة والحذر من وجودها وتأثيرها على مسار الحراك العراقي الحالي، هي أن المجتمع العراقي لم يعد متماسكا بما فيه القوة كما كان عليه الحال إبان فترة المد الوطني التحرري الذي كان العراق واحدا من مراكزه الأساسية والمؤثرة في المحيط العربي والإقليمي أيضا، فالعراق يعيش الآن تحت وطأة التأثيرات العرقية والدينية، بل والأمرُّ من ذلك، الطائفية والمذهبية، فالنسيج الاجتماعي العراقي لم يعد متماسكا كما كان عليه الحال من قبل فأصبح رخوا سهل الاختراق، وبالمناسبة، فإن آفة التفتيت هذه لم تضرب المجتمع العراقي وحده، وإنما أصابت مجتمعات أخرى وكادت تفتك بها.

التغيير في العراق مطلوب، وهو قادم لا محالة، فهذه قناعة آخذة في الاتساع والنمو في أوساط مختلف شرائح المجتمع العراقي، لكنها لم تصل بعد إلى حد القدرة على خلق قوة متماسكة تنصهر فيها التطلعات الوطنية الحقيقية لمختلف فئات المجتمع العراقي، إذ مازال تأثير الانتماءات الضيقة، العرقية منها والدينية والمذهبية، يفرض حضوره بقوة في الشارع العراقي، ولا يغير من هذه الحقيقة مشاركة أبناء مختلف الانتماءات العرقية في حراك الشارع الذي تشهده العديد من المدن العراقية وفي مقدمتها بغداد العاصمة التي يمكن القول بأنها تمثل حالة خاصة قد لا تنطبق على جميع المناطق العراقية.

مع استمرار الاحتجاجات والتفاف مختلف المكونات العراقية حول محور واحد يتمثل في استعادة الكرامة الوطنية وهيبة الدولة العراقية الوطنية الجامعة، هو الشرط الكفيل بنجاح عملية التغيير الحقيقية التي من شأنها أن تؤسس لعراق جديد يختلف نوعيا بالكامل عن العراق الذي أراده مهندسو جريمة الغزو الأمريكي، ويختلف كليا أيضا عن عراق ما قبل الغزو، حيث ساد القمع والتسلط السياسي ذو اللون الواحد الذي تحول إلى تسلط دموي دفعت أثمانه الباهظة مختلف مكونات الشعب العراقي، إذ لم يكن هذا القمع يمارس تمييزا في تسلطه وأنانيته السياسية.

فعملية خلق انصهار حقيقي لمختلف مكونات الشعب العراقي يتطلب صبرا وعملا دؤوبا مستمرا متحررا من سطوة الانتماءات الضيقة، ومن المنطقي جدا الاعتراف بصعوبة بلوغ هذه النتيجة وبهذه السرعة التي يتمناها كل حريص على شعب العراق ومستقبل هذا البلد العربي العزيز، لكن ذلك ليس مستحيلا فالتربة العراقية تختزن في أحشائها بذورا صالحة كثيرة جدا، وهي وحدها الكفيلة بإعادة الحياة إلى عراق الحضارة والتاريخ والعزة الوطنية والانتماء القومي الحقيقي.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news