العدد : ١٥٢٣٨ - الخميس ١٢ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٨ - الخميس ١٢ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

تقرير الرقابة ما بين الحوكمة الإدارية والتنمية المستدامة

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ١٠ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

أعتقد وبصورة شخصية أنه ليس من مهامنا مناقشة كل ما جاء في تقرير الرقابة، وإنما هي من مهام نوابنا الأفاضل وكتّاب الأعمدة الصحفية اليومية، فهم الذين من المفروض أن يدرسوا التقرير صفحة صفحة، ويفندوا ويناقشوا ويضعوا الحصان أما العربة، كما يقول المثل العربي.

ولكن الذي يهمنا في التقرير هو صدور التقرير نفسه، فيكفينا أن البحرين تصدر مثل هذا التقرير بصفة سنوية ليس ذلك فحسب، وإنما بكل شفافية، ليبين للقاصي والداني أخطاء المخطئين ونواقص الجهات التي تجرنا إلى الأسفل بعيدًا عن منظومة التنمية المستدامة التي تحاول الحكومة تحقيقه من خلال رؤيتنا 2030.

وليست قضيتي هنا الدعوة إلى محاسبة المخطئين، فهذا حصل عندما أمر صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد ولي العهد بإحالة بعض الجهات الى النيابة، وكذلك فهذا الموضوع هو خاص بالسادة النواب، وليس لي شأن فيه، وإن كنت أود أن أرى وأسمع عن محاسبة المخطئين والمقصرين، ولكن ماذا يحدث إن تمت محاسبة المقصرين؛ ربما يبعدون من مناصبهم ويأتي غيرهم، وربما هذا الغير سيقوم بنفس الفعل الأول، وهكذا تستمر الحكاية، يذهب مسؤول ويأتي آخر، تتغير الوجوه فقط وتبقى القضية هي هي.

الذي نحتاج إليه ليست المحاسبة في حد ذاتها، وإن كان هذا الأمر مطلوبا وضروريا، إلا أننا نود أن ننظر إلى الموضوع نظرة أخرى ومن أبعاد أخرى، وأن نناقش المسألة برمتها بطريقة وفكر مستقبلي جديد وآخر، فعندما نناقش هذا التقرير يجب أن نفكر بأسلوب استنهاض البحرين كلها، بجميع فئاتها وأطيافها، وانتشالها من كل هذا التقصير وهذه الأخطاء - وليس مهما من هو المسؤول عن هذه الأخطاء وعن هذا التقصير فهذه لها جهات أخرى من مسؤولياتها أن تقوم بعملية المحاسبة - وإنما المهم والذي أود أن أشير إليه هو أنه من خلال ما ورد في تقرير الرقابة ومطابقته بالمبادئ الأساسية للحوكمة الإدارية وكذلك بمؤشرات منظومة التنمية المستدامة التي تحاول الحكومة تطبيقها على أرض الواقع، نقيّم منظومتنا الإدارية والاقتصادية والاجتماعية في مملكة البحرين للبناء والسير نحو المستقبل. لذلك نجد أن على الجهات التشريعية والتنفيذية منذ هذه اللحظة وضع الأطر لمخطط طويل المدى بهدف أن تكون بحرين المستقبل من الدول المستدامة، فكيف يمكن أن يتم ذلك؟ فهذا ما نود أن نتحدث فيه، أما إن فكرنا في مجرد محاسبة المخطئين فقط، فإننا سندور سنويًا في حلقة مفرغة لا نهاية لها.

أولاً: العودة إلى رؤيتنا 2030

تُعد البحرين من أوائل الدول العربية التي أصدرت الخطة الاستراتيجية (رؤيتنا 2030)، إذ إنها صدرت عام 2008 وهذا يعني أن عمرها اليوم حوالي 11 سنة، وهذا يعني أن البحرين تتمتع بخطة استراتيجية عمرها 11 سنة، ونحن هنا لا نريد أن نناقش ما جاء في رؤيتنا 2030 وإنما لدينا بعض الملاحظات حول الرؤية 2030، مثل:

* بعد كل هذه السنين، هل نحتاج إلى إعادة استقراء الرؤية؟ أو حتى ربما إعادة كتابتها، فقد وضعت الرؤية أثناء الوفرة الاقتصادية وقبيل الأزمة الاقتصادية العالمية التي حدثت عام 2009، لذلك وضعت عندما كان الدين العام لا يتجاوز (كذا) مليار، واليوم تضاعف الدين العام عدة مرات، فالأوضاع الاقتصادية تغيرت، وكذلك الأوضاع الاجتماعية، كتغير نسبة البطالة والعاطلين عن العمل وبروز قضية المساكن بالإضافة إلى تغير التركيبة الديموغرافية في البلاد وتزايد عدد الخريجين والدخول إلى عالم الذكاء الصناعي والدخول إلى الطاقات المستدامة وبروز مشاكل الشارع التجاري وأيضا الاهتمام بريادة الأعمال وبناء وتعاظم المشاريع المنزلية (الأسر المنتجة) والكثير من الأمور التي لم تؤخذ في الحسبان ذلك الوقت، ألا نحتاج اليوم إلى إعادة النظر في الرؤية وكتابتها من جديد بناء على المتغيرات العالمية والمحلية؟

‭{‬ وموضوع آخر فيما يخص رؤيتنا 2030، فمن الملاحظ أن الرؤية كتبت بصيغة عمومية، ويلاحظ أن الرؤية لا تحوي في مضمونها برامج أو آليات تنفيذية، فلا تعرف مؤسسات الدولة خارطة الطريق لها حتى تتمكن من تنفيذ الرؤية، لذلك أعتقد أنه بعد كل هذه السنوات من الأفضل أن يصدر عن الجهة المسؤولة عن الرؤية خارطة طريق وخطط وآليات وبرامج تنفيذية مكتوبة ومطبوعة توزع على الجهات والمؤسسات كما تم توزيع رؤيتنا 2030، يذكر فيها مهام كل مؤسسة وهيئة، واجباتها ومسؤولياتها، وبرامجها وكيفية احتواء المتغيرات والأزمات إن حدثت، والخطط الأساسية والخطط البديلة، وتتم مناقشة كل ذلك من خلال لجان متخصصة يتم الموافقة عليها ومن ثم تعلن على الملأ حتى يعرف الجميع -أقصد الجميع- ما الذي ينبغي له القيام به وما حقوقه وما واجباته تجاه البلد.

عندئذ فإن الجميع يكون ضمن الخطة العامة للبلاد، سواء مواطن يعمل في مؤسسات الحكومة أو في القطاع الخاص أو طالب وكذلك تشمل الخطة حتى المتقاعدين وغير العاملين.

وعندما يحدث ذلك فإننا لن نحتاج إلى تقرير الرقابة لأن كل مواطن في موقعه يكون هو الرقيب، ولأن الجميع يكون مسؤولاً عن استنهاض البلاد، وتتحول المصالح من مصالح شخصية إلى مصالح عامة. 

أعتقد أنه آن الأوان للتفكير الجدي في هذا الموضوع.

ثانيًا: العودة إلى مبادئ الحوكمة الإدارية

قلنا في مقال سابق تحت عنوان (الحوكمة الإدارية ودورها في تعزيز القطاع المؤسسي) بتاريخ 12 مايو 2019 إن الحوكمة تُعد اليوم من المفاهيم التي ولجت مؤخرًا في الفلسفة الديمقراطية وتطبيقاتها ومن ثم في شتى ميادين العمل المؤسساتي في بلدان العالم السائر نحو الديمقراطية. وقلنا أيضًا إن هذا يبدو متسقًا مع التوجه العالمي نحو الالتزام باحترام وتطبيق حقوق الإنسان، لذلك فقد سارعت الدول ذات التوجه الديمقراطي إلى استنباط معايير مشتركة للحوكمة بهدف إتاحة الفرصة بشفافية لتقييم أداء حكوماتها. ما أتاح الفرصة لظهور الحوكمة التشاركية التي تركز على تعميق المشاركة الديمقراطية من خلال مشاركة المواطنين في عمليات الحوكمة مع الدولة.

ومن الجدير بالذكر أن مجلس الوزراء اعتمد دليل حوكمة المؤسسات الحكومية والبرنامج التنفيذي من خلال الدليل الذي صدر عام 2013 تحت رقم (13) وطلب تطبيق هذا الدليل في مؤسسات الدولة، ولقد ذكر في مقدمة الدليل الذي تم اعتماده ما يلي: «وللحَوْكَمة الأثر الفعّال الإيجابي في إدارة المؤسسات والمخاطر، وتساعد على الإشراف المؤسسي المباشر، وتطبيق مبادئ الإفصاح والشفافية وروح المساءلة وإدارة الموارد وتعزيز التنافسية ورفع الكفاءة والفعالية. كما تعزز الثقة والعملية الإشرافية والرقابية والمساءلة وتساعد على تحسين الأداء المؤسسي وتحافظ على سلامة الاقتصاد الوطني بما يُحسن مناخ الاستثمار، ويرفع معدلات النمو. هذا بالإضافة إلى دورها الأساسي في صناعة القرار فضلاً عن دورها في نشر الثقافة العامة والوعي بالمسؤولية والمساءلة من خلال تطوير الأنظمة والتحليل للمعلومات والإسهام في تحقيق رسالة وأهداف المؤسسة.

يعتبر هذا الدليل بمثابة مرجع لتأكيد أهمية الالتزام بمبادئ وقواعد الحَوْكَمة في المؤسسات الحُكومية، حيث تم إعداده بناءً على القواعد والأنظمة الرقابية المعمول بها في مملكة البحرين، وأفضل الممارسات المطبقة عالميا». انتهى الاقتباس.

وهنا علينا أن نتساءل هل ما جاء في تقرير الرقابة 2019 يتناسب ويتناسق مع مبادئ الحوكمة الإدارية التي تحاول الدولة تطبيقها من خلال دليل الحوكمة الآنف الذكر؟

وربما علينا هنا أن نتساءل إلى أي مدى استطاعت الجهات التنفيذية في الدولة تنفيذ دليل الحوكمة في المؤسسات التنفيذية والتشريعية؟ هل هناك لجنة تتابع مدى التنفيذ واستمراريته؟ وإن كانت هناك لجنة فما تقرير اللجنة منذ عام 2013 حتى اليوم؟ 

ويمكن أن نلاحظ أن من مبادئ الحوكمة: الإفصاح والشفافية وروح المساءلة وإدارة الموارد وتعزيز التنافسية ورفع الكفاءة والفعالية، فهل مثل هذه المبادئ تتناسق مع ما جاء في التقرير؟ مع التأكيد أن وجود التقرير هو جزء من الشفافية ومبدأ روح المساءلة، ولكن هل نقوم نحن بالمساءلة بالطريقة الصحيحة وهل تأتي بالنتيجة المطلوبة؟

أليس هذه أسئلة مهمة يجب أن يفكر فيها السادة النواب بالإضافة الى العديد من الأسئلة الأخرى؟

ثالثًا: العودة إلى منظومة التنمية المستدامة

استعرضنا في مقال سابق بعنوان (نحو استدامة لا تستثني أحدًا) نُشر في 28 أكتوبر 2018 التقرير الطوعي الأول لمملكة البحرين والذي قُدم في المنتدى السياسي الرفيع المستوى لأهداف التنمية المستدامة 2030 في مدينة نيويورك في عام 2018. وقلنا إن التقرير قد اشتمل على خمسة فصول، استهلها بأهداف التنمية المستدامة، وآلية إعداد الاستعراض، ثم السياسات والبيئة التمكينية، ثم عطف على تحليل الوضع والتقدم المحرز، فعرضٍ لقضايا محورية من منظور وطني، تلاها النقاش المواضيعي الخاص بموضوع المنتدى الحالي «التحول إلى مجتمعات مستدامة وقادرة على الصمود»، وأخيرًا ختم باستشراف التطلعات المستقبلية؛ لتوطين أهداف التنمية المستدامة 2030، وقلنا أيضًا ان التقرير ارتكز على منهجية في قراءة الأجندة العالمية، والربط بينها وبين خطط التنمية الوطنية، ولم يكتفِ بعرض الإنجازات؛ بل حوت فصوله الفرصَ والتحديات في مختلف المجالات: الاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية، والثقافية، والمؤسسية.

وكانت واحدة من البنود المهمة في التقرير ما يتعلق بمتطلبات النمو والتنويع الاقتصادي والاستدامة والتطوير المؤسسي، والذي يهمني هنا الجزئية الخاصة بالتطوير المؤسسي، فماذا نعني بالتطوير المؤسسي؟ وعن أي مؤسسات نتحدث؟ 

ولقد وجدنا أن هناك العديد من النظريات التي تتحدث عن التطوير المؤسسي وهناك العديد من المدارس والأفكار، ولسنا هنا بصدد تفنيد تلك الأفكار والنظريات والاتفاق أو الاختلاف معها. ولنحاول أن نلخص بعض جزئيات من تلك الأفكار، إذ يمكننا أن نلخص التطوير المؤسسي في 5 خطوات أساسية، هي: إيجاد استراتيجية للمؤسسة مبنية على الاستراتيجية العامة للدولة، التمحور حول العميل الداخلي وهو الموظف وقياس مؤشرات الرضا والاندماج الوظيفي، وكذلك العميل الخارجي ودراسة ومتابعة الشراكة المجتمعية بصورة دائمة وقياس مؤشراته في حالات الصعود والهبوط، وجود ميزانية ومتابعتها ودراستها من حيث إدارة المخاطر والمدخولات والمصروفات بدقة متناهية وشفافية، المتابعة الدائمة لمناهج ونظريات التطوير المؤسسي والإبداع والابتكار العالمي الذي ينتج من دول العالم المتطور، وأخيرًا التقييم والمتابعة والتطوير، فإن تمكنا من تنفيذ كل هذه المبادئ والخطوات فإن مؤسساتنا ستتحول من صورتها الحالية التي تسير بمنهجية ردود الأفعال إلى منهجية التطوير والتخطيط المستمر.

وعندما نتخلص من منهجيات والعمل بمنهجيات ردود الأفعال ونرتقي إلى منهجيات العمل بالخطط الطويلة والقصيرة المدى، فإننا حتمًا سنعمل وفق التنمية المستدامة التي ننشد، وتنشد الدولة.

لو تمكنا اليوم، ومنذ اليوم أن نتدارس تقرير الرقابة وفق المنهجيات الثلاثة؛ رؤيتنا 2030، الحوكمة الإدارية، منظومة التنمية، فإن تقرير الرقابة سيكتب مستقبلاً بطريقة تختلف، بصورة جذرية عن كل ما يكتب وينشر اليوم، فهل يمكننا أن نفكر ولو بصورة جزئية في ذلك بهدف تطوير العمل المؤسسي في البلاد، نرجو ذلك.

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news