العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الثقافي

وهج الكتابة: أكثر من طريقة لائقة للغرق

بقلم: عبدالحميد القائد

السبت ٠٩ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

بعد هذا البلاءُ العَظيم،

أي طُقوسٍ من الكلمات،

يمكن أن ترمّم الخَراب؟ 

«الموت فنٌ، على غرارِ كل ما عداه، وإني أمارسهُ بإتقان، أمارسهُ حتى يصير جهنّم، أمارسهُ حتى يبدو حقيِقةً، في وسعكم القول إنه دعوتي. من السهل فعله في زنزانة، من السهل فعله من دون أن أحرّك ساكناً». هذا ما قالته الشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث، وكانت تكرر الموت في أشعارها وتعيشه بطريقتها، حاولت الانتحار عدة مرات وفي المرة الأخيرة، ولم يكن عمرها يتجاوز الثلاثين، نجحت في النجاة من اكتئابها بالموت. كانت واحدة من أكثر شاعرات القرن العشرين شهرةً وفازت بجائزة البوليتزر بعد وفاتها في مجال الشعر. الشاعرة المتخرجة في جامعة كامبردج والتي كتبت القصيدة المختلفة، القصيدة الاكتئابية الاعترافية المعبّرة عن غربة الروح واغترابها المفرط التي تتجلى بوضوح في نصوصها وصورها المبدعة الاستثنائية المحتشدة بالموت. مأساتها الحقيقية -كما يقال- كانت بسبب زوجها الشاعر البريطاني تيد هيوز، الذي كانت تربطها به علاقة متوترة وكان يكبرها بنحو عشرين سنة، والتي انتهت بطلاقهما رسمياً قبل أشهر من انتحارها. ويقال إن زوجها كان يحاول طمس منجزها الشعري فترة طويلة حتى بعد رحيلها حين نصب نفسه وكيلًا عن أعمالها ولم يكن يسمح بنشر أي شيء إلا بتصريح منه لأنها لم تكتب وصية قبل رحيلها وكان لا يَسمح بنشر مذكراتها وخاصة الجزء الذي كانت تتحدث عن علاقتها به. لكن ليس من المنطقي إيجاز مأساة الشاعرة في توتر علاقتها مع زوجها، ولكن من الممكن اخذ ذاكرة طفولتها التي خبرت ويلات الحرب العالمية الثانية والقنابل الذرية في الاعتبار إلى جانب صراعها الداخلي الدائم مع الموت وإيمانها بأن الموت هدوء وسكينة. إنها النفسية المتوترة الضائعة التي أبدعت كل هذه الأشعار الخلّاقة، هو عالمها المترجرج، المقيم في أبراج وحفرٍ أخرى. أُدخلت المصحات العقلية، حتّى أنها عولجت بالصدمات الكهربائية. كانت طريقة انتحارها قاسية وموجعة حين وضعت رأسها في الفرن الذي كان قيد التشغيل لتعانق الرحيل بإصرار. 

من أهم قصائدها «السيدة اليغازر»، التي تختزل علاقتها بالموت الذي يشكل عصباً أساسياً في عمل بلاث الشعري منذ بدايته وحتى موتها المبكر عام 1963. وُصفت أشعارها بأنها وحشية، مختلفة، عوالمها غريبة، هي مبدعة الدهشة والتفرد. صدر للشاعرة مجموعتان بعد رحيلها وهما «العملاق» و«ارييل»: 

أغلقُ عينيّ فيسقطُ العالمُ كلهُ ميتًا

وافتحُ جفوني فيولدُ العالمُ كله مرةً أخرى

 (اعتقد أنني أكونك داخل رأسي )

***

النجومُ تخرجُ لرقصةِ الفالس بالأزرقِ والأحمر

والظلمةُ المستبدّة تجول داخلي

أغلق عيني فيسقط العالم كله ميتًا 

***

حلمتُ انكَ حملتني مسحورةً إلى الفراش

وغنَّيت لي أغنيةَ القمر المضروب، 

وقبّلتني كمجنونٍ

(اعتقد أنني أكونك داخل رأسي)

هل الاكتئاب صنو الشعر والإبداع. هل كُتب على الشاعر ان يكون بهذه الرهافة القاتلة كي يبدع المختلف، هل قدر الشاعر ان يدخل اقمعة الحزن كي يبدع في أجواء لا تُوفر للشاعر ما يستحقه من اعتراف واهتمام. الشاعر مهووس بالحرية والانطلاق كالفراشات لكن الحياة والآخرين يصنعون جحيمه ويضعون حوله أسوارًا وزنازن كي يعتقلوا روحه فيها.

Alqaed2@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news