العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الثقافي

توظيف السيرة والأسطورة في القصة القصيرة

بقلم: عبدالله بير

السبت ٠٩ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

قصص «باندورا» للكاتبة «بان الخيالي» نموذجا


«يقولون إن العالم كان خالياً تماماً من الشرور قبل ان تُفتح الجرّة، وإن الجرّة احتوت على الألم والبغض والجبن و الحسد والحزن و المرض وكل الشرور التي لم تكن في العالم» جرّة باندورا ص 24.

«باندورا» مجموعة قصصية للكاتبة العراقية (بان الخيالي) والتي صدرت من قِبَل دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع لسنة 2019، وتتألف المجموعة من «30» قصة قصيرة. 

القراءة فعل ذاتي مكمل لفعل الكتابة، وإذا لم تكن هناك قراءة تبقى الكتابة مجرد خربشات، والأفكار سجينة صفحات الكتب وأروقة المكاتب، أي ان عملية تحويل الأصوات إلى رموز لا تكتمل إلا بإعادة تلك الرموز إلى أصوات مرة أخرى، وهي عملية معقدة ومهمة لنقل الأفكار والرؤى من إنسان إلى آخر. القراءة هي عملية تحريك وتدمير لأي نص كان، فإثارة الأسئلة أثناء عملية القراءة هي بالضبط تفكيك منظم لروابط النص وإعادة تشكيل أفكاره من جديد، فكل «لماذا، أين، كيف، ماذا، متى وأين...الخ» معاول تحفر النص عميقا لمعرفة ما في أعماقه وسبر أغواره، وإخراج ما فيه من كنوز وأفكار ليكون مواد أولية لإنتاج نص جديد مكمل ومواز للنص الأصلي. ومتى كان النص محملاً بأكثر عدد من الأسئلة كان النص أغنى وأجمل، وفعل القراءة يصبح عند ذلك أمتع، لذا أرى ان اللذة تزداد كلما استطاع النص إثارة اكبر قدر ممكن من الأسئلة في نفس القارئ.

النص الحي هو النص الذي يستمر في إنتاج الأسئلة، ويستطيع تحمل تأويلات وتفسيرات كثيرة، لأنه بذلك يكون مصدراً مهماً لإنتاج نصوص أخرى جديدة. وهذا ما أجده في مجموعة «باندورا» حيث تم التمازج بين جنسين أدبيين وهما الأسطورة والسيرة في كتابة القصص. والأسطورة باعتبارها «محاولة لفهم الكون بظواهر متعددة، او هي تفسير له، إنها إنتاج الخيال ولكنها لا تخلو من منطق معين ومن فلسفة أولية» (ميرسيا الياد، مظاهر الأسطورة، تر، نهاد خياطة، ص10) أي ان الأساطير هي اجوبة لأسئلة الإنسان في الوجود وما بعد الوجود، في الموت وما بعد الموت، لذا توظيف الأسطورة في بناء القصص يضيف لها بعداً أخر، ويزيد من إثرائها، فالكاتبة استطاعت في مجموعة «باندورا» وبجدارة توظيفها في قصصها، ولم تتوقف عند هذا الحد، إنما جدلت الأسطورة مع جنس أدبي آخر وهو السيرة على شكل مذكرات فأنتجت من هذا التمازج نصوصا إبداعية ولوحات لغوية في منتهى الروعة تحمل في طياتها أسئلة كثيرة، وعمقا فكرياً، وتحليلا دقيقا للنفس الإنسانية، فاتحة الباب على مصراعيه أمام تأويلات عديدة. 

نبدأ قراءة القصص من العتبة، اختارت الكاتبة اسما أسطوريا وهو «باندورا» كعتبة رئيسية للمجموعة القصصية، وهو اسم أول امرأة خلقت من قِبَل الالهة في الأساطير اليونانية ويقابلها اسم «حواء» في الأديان الشرقية، فأول ما يلفت النظر عتبة المجموعة، وهي رسالة تعود بنا إلى الوراء آلاف السنين، متوغلين في صفحات غابرة للتاريخ الإنساني للتعرف على «باندورا»، ودورها في الحياة والتاريخ البشري. وهذه العتبة بحد ذاتها موضوع يحفز لكثير من القراءة والتمعن ويثير الكثير من الأسئلة، لماذا اختارت الكاتبة هذا العنوان لمجموعة قصصية؟ هل فعلا الصراع الإنساني بدا مع وجود أول امرأة في الحياة كما هو موجود ايضاً في الأديان السماوية (ادم وابليس، هابيل وقابيل «قاين»)؟ وهل اختارت الكاتبة هذا العنوان كتعبير عن وجودها الحقيقي في هذا العالم؟ أي: الاّ ينظر إليها كمكمل بل كشريك حقيقي في الحياة؟ ثم تأتي عتبات القصص ونجد أنها اختارت أيضاً بعناية ودراية دقيقة وملفتة لانتباه القارئ فمنها ما يشير إلى التراث الشعبي والأساطير الشعبية، ومنها ما يشير إلى ضمائر مثل (جرّة باندورا، الأرملة السوداء، قصتي، الاله والنهر، وجهها في مرآتي، بانوريا.. الخ) فهذه العتبات تعبر عما ارادت الكاتبة ان توصله إلى القارئ، او ان فهم العتبة يمكن ان يحل عديدا من الشفرات الموجودة في متن القصص. فمثلا في «جرّة باندورا» تقول الراوية: 

(نعم هكذا كان في بداية الخليقة، كانت هناك أرواح سماوية شفافة (فوق)، وعلى الأرض أخرى من الطين تسمى الرجال....)

 فمسألة استرجاع الأحداث، من جماليات العمل الفني، وهنا ترجع بنا القصة إلى بدايات الحياة على هذا الكوكب. وكيف وظفت الأسطورة اليونانية وجدلتها بسيرة ذاتية للبطلة الساردة للقصة في بناء محكم يلفت الانتباه والفضول لمعرفة نهاية الأحداث. 

وفي قصة «الأرملة السوداء» تقول الراوية:

)في ذاك الصباح كنت ارتب أوراقي في حديقة الجامعة استعداداً للمحاضرة الأولى حين اقتربت مني قدمان حذرتان وحين رفعت رأسي كان هناك عصفور يزقزق في قلبي رغم تقطيبتي الواجمة)، نرى هنا ضمير المتكلم يروي لنا ما حصل لحظة اللقاء. وهناك أمثلة أخرى كثيرة تدل على براعة الكاتبة في المزج بين الأساطير والسيرة في بناء قصصها التي تدل على عمق الأفكار الموجودة فيها. 

يجد القارئ ان نقط الارتكاز في «باندورا» هي الخوف والهروب من المجهول، وهو بالضبط الموجود في الأساطير اليونانية الأصلية. 

استطاعت الكاتبة الغوص عميقا في أعماق النفس الإنسانية من خلال شخوصها، لإيجاد مصدر ذلك الخوف الذي يلف كل شيء، وهذه المغامرة تثير في نفس القارئ سلسلة غير منتهية من الأسئلة، منها هل ان الخوف من سمات النفس الإنسانية؟ أي هل الخوف احد محركات الاستمرار في الحياة والبحث عن الأمان؟. او بصيغة أخرى هل الخوف من المجهول احد محركات تاريخ الإنسانية؟ وهذا السؤال يعتبر جوهريا في الفلسفة والفكر. وهناك نقطة اخرى تعود في مسارها إلى النقطة الأولى وهي الخوف من المجهول، «الحلم» حيث استطاعت الكاتبة بإبداع رائع، دمج وجهي الحياة، اليقظة والحلم معاً، حيث لا ندري أيهما حقيقة، فتثير هنا سؤالا مهما، هل الحلم جزء مكمل للحياة واليقظة كما قال فرويد؟ وما علاقة الأحلام بالواقع؟ وهل فعلا حياة الإنسان مزدوجة بين اليقظة والحلم؟ أي هل هناك حياة عميقة في نفس الإنسان قد تخرج في أي وقت كان وربما يكون ذلك في الأحلام متزامنا مع حياة اليقظة؟. «باندورا» محاولة متواضعة للتعبير عما يجول في نفس كل إنسان، وكيف ان كل إنسان مستعد للتضحية من اجل لحظات السعادة. 

تحاول الكاتبة وعن طريق هذا المزج في قصصها تحفيز القارئ لدفعه إلى أعمق نقطة في عملية التفكير، وإثارة أسئلة بحاجة إلى إجابة، وتلك الأجوبة تكون أساساً لرؤى وأفكار لم تكن موجودة سابقاً لديه. في قصة «اكسر كاسك يا نيكولا» تقول الرواية:

(ابقي معي يا حبيبتي صرخت الشاحبة بوضوح أكثر بينما كانت تسحبها النساء وتحشرها في السيارة (ابقي معي..)، صوتها لم يغب حتى بعد ان ساد السكون، ابتعدت السيارة بحملها العزيز، انصتت الجثة للهدوء الجاثم، وكم تمنت لو تفيق). 

فالمشهد يحمل كثيرا من الدلالات التي يجب الوقوف عندها في قراءة القصة.

فمن الأسئلة التي قد تصادف القارئ خلال قراءة القصص، متى تشعر المرأة بالأمان؟ ومتى تشعر بالخوف؟ هل هناك تهديد لوجود المرأة في ظل العادات والتقاليد الموجودة؟ هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة قد يدفع بالقارئ إلى السباحة عكس التيار في الحياة والمحاولة للوصول إلى مصادر نهر الحياة ومعرفة أسسها، وهذه عملية في منتهى الخطورة، لأنها لا بد ان تنبش في المقدسات والمحرمات للحصول على إجابات لأسئلته السابقة. في قصة «الصورة» تقول القصة:

(ولو أردت نصيحة أخيرة رقعي ثقوب روحك بقلة الأمل، ستمتلئين حينها بالضوء كما تتمنين، وانفخي نار صمتك أكثر، وتأملي جواهر الأشياء ومآلها لتقدري نعمة الموت الذي تسبحين فيه، ثم لتفهمي انه لا مقيل لعثراتك سواك). 

روح ممزقة، كاتبة ما في نفسها، تنتظر الموت كأحسن حل، لا وجود لمساعد أو رحيم، الا يكون هذا كافيا للتهرب من الحياة والانطواء على الذات.

ولكن في هذه الحالة السؤال الجوهري: ما الدوافع التي تدفع بالمرأة للجوء إلى الكتابة؟ هل الكتابة تمنحها - في ظل الظروف التي تعيشها - الطمأنينة والهدوء؟ هل تؤسس الكتابة هوية مستقلة للمرأة الكاتبة؟ فالمرأة في مجتمعات بطريركية شيء هامشي، لذا تلجأ إلى الكتابة كهروب من الواقع الموجود، وخلق واقع ممكن، تجد فيه الحرية الكافية، لفعل ما تريد. 

إن قصص «باندورا» من نوع القصص التي تتطلب من القارئ الدراية والتمهل في طرح التأويلات والتفسيرات واتخاذ القرارات، بشأن ما توصل إليه، لان هذه القصص متعددة البنى، فالقصة كجنس أدبي مستقل مبني على جنسين أدبيين هما السيرة والأسطورة، ولكل منهما مساحة كبيرة لحمل الدلالات والمعاني التي قد تجعل من الصعوبة على القارئ الإحاطة بكل الأفكار المطروحة فيها، فكل اسم وكل ضمير وكل فعل يملك دلالة معينة في موقع معين ويتغير في اللحظة التالية إلى دلالة أخرى، لذا كان التمهل والتمعن ملزمين في قراءة هذا النوع من القصص، وخصوصا لو كان الكاتب (ة) بارع (ة) في الكتابة مثل كاتبة «باندورا».

أبدعت «بان الخيالي» في كتابة قصصها، لتكون سيرة ما لكل قارئ، قد يجد في نفسه احد الشخصيات أو مرّ عليه حدث من الذي ذُكر في هذه القصص. في حياته اليومية، أو بمعنى آخر استطاعت الكاتبة ان تفسح لقصصها موضعاً معيناً في نفس كل من يقرأها، وترك اثر معين فيه عند الانتهاء من القراءة، وهذا هو عين الإبداع.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news