العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الثقافي

نـــبــــض: الفنانة عائشة حافظ ترتدي الأبيض حكاية فنية في «حياد البياض» بجاليري البارح

علي الستراوي

السبت ٠٩ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

برعاية الشيخة هند بنت سلمان آل خليفة


للفنون بجميع أنواعها لغة تشير نحو مبدعيها والمتعاملين معها على أساس إبداعي، فهي الماسكة بفيض إحساس الإنسان ومعطياته الفنية والأدبية. 

وهي اللغة التي تشكل صيرورتها من حيث الوسائط التي تقودها وتعطي للمخيلة لغتها الجميلة والخلاقة، عبر الدلالات التي تتفرد من شخص لآخر، في ظل التميز والخصوصية.

ومن المتعارف عليه أن للألوان لغتها الخاصة في أكثر الفنون ولدى أكثر الأدباء، لما تحمله من روح خلاقة ذات دلالات موحية في سماوات إبداعاتهم فنية كانت أو أدبية.

ولا تخلو أدبيات المبدعين من سيكولوجية الألوان وتأثيرها على المبدع والمتلقي، كونها هي المتسع المسكون بالحلم والشفافية ذات الأجنحة الصاعدة بنا نحو التميز والتي تحرك فينا ضمن كوامنها لغة المبدعين. 

وفي ظل موسوعة الألوان التي أشارت ضمن مبدعيها إلى أهمية الألوان في حياتنا: «تظهر أهميةُ الألوانِ في حياة الإنسان في جميع الجوانب والمَجالات الحياتيّة المُختلفة كالأدب، والفن، والعلوم الاجتماعية والنفسية، والماديّة، والمعنوية، وغَيرها. ويختلف تعريف الألوان باختلافِ المَجال الذي يتمّ استعمالُها فيه، فالفنّانون التشكيليون والرسّامون والعاملون في مجالات الأصباغ والطباعة عَرفوا الألوان على أنّها الأحبار والمُكوّنات الصبغية التي تُستعمل في عمليّة إنتاجها، أمّا عُلماء الطبيعة فعرّفوها على أنّها الأشعّة الملوّنة التي تنتج عن عمليّة تحليل الضوء عند استقباله في شبكيّة العين، أي إنّها الأثر الفسيولوجي الذي ينتج عن وجود المادّة الصبغية الملوّنة أو الأشعة والأضواء المُختلفة التي تَستقبلها العين وعمليّة مُعالجتها، وتُحلّلها في مراكز الإبصار بالدّماغ». 

وبين الكثير من الألوان واختلافها، يبرز اللون الأبيض، «هو اللون الذي يدلّ على النقاء والطهر والفرح والسلام، وأكثر من قد يستفيد من الخَصائص النفسيّة للون الأبيض فئة الأطبّاء والعامِلين والقائمين على المجال الطبيّ لِما يبعثه من مَشاعر الرّاحة، والأمل، والتفاؤل، والشفاء في نفوس المرضى،؛ فهو لونٌ ناصع يَمتلك خاصية الانعكاس لجَميع الألوان والموجات الضوئية الساقطة عليه، كما أنّ له تأثيرا فعّالا في عمليّة استرخاء الأعصاب وتهدِئتها؛ حيث أثبت فاعليّته في السجون والمَصحّات النفسيّة في علاج وتهدئة النوبات العصبية المفرطة». 

هذه المقدمة فرضها المعرض الشخصي للفنانة القديرة التشكيلية والنحاتة عائشة حافظ التي اختارت اللون الأبيض لكل محتويات نحوتاتها.

والجميل أن الفنانة عائشة حافظ منذ أن بدأت الانشغال بالنحت رافقها كظلها اللون الأبيض، رغم أن بدايتها كانت مع الفن العضوي والذي اختارت مادته من مخلفات الطبيعة، حيث رأت في هذه المواد كل ضالتها التي وظفتها بين ما رأته في الواقع وما انشغلت به كمادة تمسكت بها لتضيف لها وجوه أخرى تحركها ضمن انشغالها الفني الإبداعي، لا تتصل بواقع من حيث البناء العضوي، لكنها متصلة بما حوته الطبيعة من اختلافات لمواد غيرت وأضافت في تكوينها ما رأته ضمن خارطة أحلامها التي شدت ضلوعها بنبضها ضمن خيال واسع وانصهار رقيق المشاعر والأحاسيس.

فكان للحجر الصمات بوح ناطق، غير مفهومه عند المتلقي، مضيفًا الكثير في خارطة التأمل والذهاب بعيدًا تحت جناح ما تركه الفنان في بؤبؤ القراءة المتصلة بنمنمات فضاءات اللوحة أو العمل الفني. 

 فمنذ سنوات وأنا قريب من أعمال الفنانة حافظ، أراقب تجاوزاتها في منعطف تنوع الأزميل الفني لديها أو انتقالاته الإبداعية في مبعث حكايات ريشتها أو أزميلها التي اعتدت على قراءتها بشكل مختلف قادني كما قاد المتلقي للأدب العربي من حيث قدمه أو معاصرتها للفنون الأخرى عبر تاريخ هذا الفن وانشغالات الإنسان بجهاته التي شكلت عنده منذ الخليقة حكايات ذات منعطفات بعضها إيماني وبعضها فني، مما اثار إشكاليات لم تهدأ الخليقة يومًا عنه.

فالحدود التي سورت بها الفنانة حافظ مسيرة حكايتها مع الفن لم تقتصر على الرسم وحده، لكنه تجاسر بتجاسر حافظ نحو الاستشراف الآخر في مفهوم الفن ومعالجته ثقافيًا وأدبيا ضمن مفهوم تلاقح الفنون واندماجها في بوتقة الخلق.

كيف عشقت حافظ البياض؟

من يرى بساطة الفنانة عائشة حافظ وروحها الضاحكة التي تقود من يتحدث معها إلى تلك الشفافية التي تمتلكها، لا يبتعد عنها، بل يتعلق بطيبتها وعفويتها العالية في الشفافية.

إنسانة رقية ذات مشاعر فياضة وأحاسيس عالية، كالنحلة تلون الأشجار بنقاء لونها وخفة ملمسها، فتؤنس من يصافحها بالتحية لبياض قلبها النقي، فليس عجيبًا أن يذوب الصخر أمام أزميلها حينما تلامسه مشاعرها، أو تنشغل بما يحمله الصخر من مسامات تفيض في ظل مشاعرها بالفرجة نحو التأمل في الفضاء الواسع والدفء والحنان ضمن مشاعر ما يحمله المرء.

فليس غريبًا أن يكون السلام ذلك الأزميل الذي لا توحشه الغربة ولا تضنيه مسافات العمر. 

ولا تقلقه فوضى الذين قتلوا ما يفيضه الأبيض من نقاء، بل تجوسق في معالم بنائه الذي اطل منه على جميع الفنون ليحكي ما لم يحُك في زمن قتل فينا كل ما هو جميل.

فالأبيض كلون نقي ولغة لعافية الجسد وانتمائها للأرض، يأخذ بنا نحو الاقتدار على تجاوز الأمان، والاقتراب من واقعنا بما يحمله من تشظيات أكثرها مؤلم وبغيض في عالم اكتظ بجدران موانع الضوء.

وليس غريبًا على اللون الأبيض تحريك الراكد في صدر مشاعرنا الجياشة التي ليس لأي إنسان تجاوزه.

فمهما بعدنا اقتربنا من ذلك الذي يشير لنا في عالم التكوين للسر الذي يفيض بما يحمله من مشاعر تقربنا أكثر من أي لون بواقعنا وبارتباطنا بفلسفة التكوين والخلق، أو مغادرة الأرض، فهو الذي يغطي عُرانا، ويكشف لمن ينتمي إلى الإنسان ما هي تلك النواة التي تبني داخلنا بفيض ما حمله ابيض القلب من اتصال روحي، واشتغال فطري في عالم التكوين.

بيت تسوره جدران ابيض المشاعر، بيت لا يغادره الحلم ولا تموت على ترابه أزهار الياسمين. 

لأن الأبيض هو الانتماء في عالم عائشة حافظ، ماهية ملتصقة بجدار قلبها الذي يرى في نسيم الهواء تلك القدم التي تخطو بهدوء، لا تزعج الآخرين ولا تدخل في عالم ليس بعالمها، بل تبني بأبيض قلبها عافية ابتسامتها وتنحو نحو ذلك اللون بحب تشد ضلوعه من ضلوعها فتلون رؤيتها بصبر ذي شرفات تطل على الدنيا لتضيء ظلمات القلوب بشكل مختلف في بناء دواخل كل الأجساد التي بعدت عن الأبيض واختارت السواد طريقًا مظلمًا دون شمس تغسل الدنيا وتنير ظلمات تموت ببطء في النفوس الضيقة.

هو الأبيض، اختيار موفق وجميل عند عائشة حافظ، بناء جديد لعالم مزدهر بالحب، لا يتصل بالانحدار، لأن ما يجمع الأبيض بالعقل، صلات عافية الجسد، تذكرنا بالخير وبالخلق الذي يعيدنا عند موتنا لحياة أخرى يتقدمها الأبيض، ويرسم دروبها شجر الياسمين والفل، خضراء بحناء الضوء وذاكرة لا تشيخ، ابيض يرتديه النهار وقتًا لا تنتهي الدقائق!

a.astrawi@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news