العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

إذا كان كبيرا كالبشير.... فلنعذر الصغير

حكم عمر البشير السودان بالحديد والنار باسم الإسلام، وبعد أن قضى زهاء عشر سنوات في الحكم طغى وتجبر وانقلب على زعيمه الروحي حسن الترابي الذي علمه السحر والمكر، وظل البشير يهلل ويكبر في العلن ليؤكد أنه خليفة الله على الأرض، ولكنه مثل سائر أفراد بطانته كان في السر يأتي تصرفات ينهى عنها الإسلام وعلى رأسها الاستنجاد بالمشعوذين والدجالين وعلى رأسهم رجل بشره بأنه سيحكم لـ18 سنة متتالية، ولما أكمل تلك المدة استدعى شيخه ذاك طالبا «تمديد المدة»، فكان أن بشره بأنه سيحكم لـ31 سنة و25 يوما، وهذا كلام مسجل ومتداول بصوت وصورة الرجل الذي يتسمى بـ«بلّة الغائب»، ولعله الآن في سجنه يحاول الاتصال بهذا المتشعوذ ليقول له إنه مظلوم لأنه رحل عن السلطة قسرا بعد أن قضى فيها 29 سنة إلا بضعة أسابيع.

ولو كان هذا حال رئيس دولة يزعم انه يكرس لحكم إسلامي فضحايا الشعوذة من الأناس العاديين معذورون، وقبل نحو شهرين أنجبت سيدة بنغلادشية طفلا برأسين، أي جمجمتين ووجهين، وكان الطفل قادرا على الرضاعة والبكاء بفمين، وما إن ذاع أمره حتى حاصر بيت عائلته نحو 150 ألف شخص تدفقوا من مختلف أصقاع البلاد، ليس بدافع حب الاستطلاع، ولكن بسبب الغباء الوبائي المستفحل في العديد من الدول المسلمة، والذي يجعل كل كائن، آدميا كان أم حيوانا أو نباتا يخرج شكله وسلوكه عما هو مألوف، من «أصحاب البركات والكرامات»، وظل الآلاف يتمسحون بالصغير المسكين، ولكن رحمة الله أدركته ومات وعمره بضعة أسابيع.

وأذكر أنني كتبت قبل نحو عشر سنوات عن بقرة في إندونيسيا شاع أن لحسة من لسانها تشفي كل مرض (بما في ذلك البواسير يا حمير؟؟)، وعن تيس في بلدة في فلسطين المحتلة أشاع صاحبه أنه يدر اللبن (الذي يسميه بعض العرب الحليب، وقد شكوت مرارا من أن هناك من يحسبون أن لبن تعني فقط الحليب بعد أن يصبح حامضا، بينما - والله أعلم - لا أذكر أنه وردت في القرآن الكريم سوى كلمة لبن في الإشارة إلى السائل الأبيض الذي يخرج «طازجا» من ضروع الحيوانات)، و«على طول»، قرر الناس أنه طالما انه تيس أي ذكر، ويأتي فعل الإناث بدر اللبن، فلا بد أن يكون لبنه مباركا، وتأسيسا على ذلك قرروا أن ذلك اللبن يزيل العقم، وخلال أيام معدودة صار للتيس سكرتير شخصي وناطق رسمي وعضو مجلس إدارة منتدب، وتحول أفراد أسرة مالك التيس إلى مندوبي تسويق، وصارت رشفة من لبن التيس بالشيء الفلاني بالشيكل الإسرائيلي والدولار الأمريكية (وبقية العملات الصعبة مرفوضة)، وبسبب الإقبال الجماهيري الهائل على لبن التيس، أقيمت منافذ لتسويقه بالقطارة.

كتبت أقول لطالبي البركة من تيس مخنث، إن لبنه المزعوم قد يكون صديدا وأن الثدي الذي يخرج منه اللبن قد يكون الورم المنتج للصديد، واتهمني البعض بأنني «زول حاقد»، لأن بلدة في فلسطين المحتلة ظهرت فيها معجزة بينما لا يوجد حتى في كتب التاريخ العربي -ومعظم محتواها مفبرك وكذب صراح- ما يشير إلى أن أحد الأنبياء مر مرورا عابرا بأرض السودان، ولا أن بها «وليا» صالحا مشهودا له بإتيان الخوارق، وتلك فرية، فالسودان به من الأضرحة والقباب ما لو كان أمر بركات القاطنين تحتها صحيحا لكان (السودان) يقدم اليوم المنح للولايات المتحدة تضامنا مع ضحايا الأعاصير.

ونفق التيس ابن المعزة بعدها بأيام، فاتهموني بأن عيني حارة. قلت لهم: ما يصير أن نعلق الأمر على شماعة العين الحاسدة لو بدر مني مدح أو إعجاب بالتيس، ولكنني لم أذكره بالخير بل قلت إنه مستهبل وان من تهافتوا على لبنه أغبياء، وبعد موت التيس بأيام انتصر العلم لي، فقد قام طبيب بيطري فلسطيني (أي ليس زولاً) بتشريح التيس وأكد أنه مات نتيجة الورم السرطاني الذي كان يفرز مادة بيضاء (صديدا) شربها المئات على أنها لبن «معجزة».

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news