العدد : ١٥٢١٣ - الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٣ - الأحد ١٧ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

قبس من سيرة أمي الغالية عائشة محمد بوعلي (رحمها الله)

بقلم: السفير عبدالعزيز عبدالرحمن بوعلي

السبت ٠٩ نوفمبر ٢٠١٩ - 02:00

قال الله تعالى: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، أما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا».

يهمني أن ابدأ هذه المشاعر ولا أقول المقالة؛ لأن كلماتي هذه كلها تعبر عن مشاعري كابن يتحدث عن أمه ويراها ببطولتها الامومية وكفاحها وعطائها الأسري بشكل يفوق الوصف حتى لو لم يقارن ذاك التفاني الامومي بما يمكن أن يجري في هذه الأيام؛ أي في زمننا الحاضر.

في كل مرة حينما أبدا الكتابة عن أمي الأسطورة اشعر بجسمي يهتز وتتبعثر أفكاري، بل ارتعش ولا أقوى على تسطير كلماتي فيسقط مني القلم.

يحدث ذلك لي وأعرف ان السبب وراء ذلك إنما يرجع إلى خوفي ألا أكون قد وفيت حقها، ومثلي أنا هنا كمثل الفنان الذي يرسم صورة بريشته لشخصية كبيرة مبهرة يخاف دائما ألا يكون قد ضبط كل التفاصيل لتقديم الصورة الحقيقية لهذه الشخصية الرائعة، لكنني هذه المرة جمعت كل شجاعتي ولملمت كل اطرافي لأكتب هذه الأسطر، ولو أني أعرف مسبقا أني لن أوفيها حقها في الكتابة، لذا فأنا لا أعتبر هذه الأسطر إلا مجرد تعبير عن مشاعر ابن بار بأمه أراد أن يذكرها ويؤكد أنها محل تفكيره في كل وقت وكل حين، وأنها راسخة بشخصها وشخصيتها في أعماق فكره ووجدانه.

اعتدت حينما اكتب عن الشخصيات ألا أضع ضمن اهتمامي تاريخ الولادة ومكان الولادة وتاريخ الوفاة؛ ففي تقديري أنها مقالة بل قل جملة مشاعر وليست بكتاب في سيرة الشخص أو الشخصية التي اكتب عنها؛ لذا يهمني في الكتابة هنا المضمون والتركيز على أهمية هذا الجزء من السيرة؛ أي المضمون والعطاء الذي تركه صاحب السيرة، ولذا فإنه يهمني هنا عطاء أمي الأسطورة وهذا بعض من سيرتها العطرة.

ومن حق الكل أن يسأل أو يتساءل لماذا هذا الوصف الأسطوري لوالدته وما دلالته، أهي من قبيل المشاعر الجياشة التي فاضت بها نفسه وهو يذكر أمه أم هي من قبيل المبالغة اللغوية؟!

أقول نعم السؤال والتساؤل في مكانيهما، وأحب أن أؤكد أن الوصف ما جاء إلا لأن أمي الولادة التي أنجبت ثمانية أشقاء عاشوا برعاية الله وآخرون توفاهم الله كانت توصف بالصلابة والقوه في الإرادة والتصميم في تربيتهم، هذا إذا علمنا مدى الفقر والعوز والحاجة والظروف القاسية التي كانت تمر بها المنطقة ومنها ظروف البحرين آنذاك، وأقصد بذلك خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وما كان يحيط بهذا البلد في أوائل الثلاثينيات وأواخرها وأوائل الأربعينيات من شظف العيش والحاجة في كل شيء من مسكن ومأكل وملبس.. إلخ، ثم هناك وفاة الوالد المعيل مبكرا.

كانت أمي الأسطورة أمية لا تقرأ ولا تكتب، لكنها بحمد الله تحفظ الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وتستمع إلى القرآن الكريم من الراديو وتنصت لمشاهير القراء وأخص بالذكر منهم القارئ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، وطبعا يأتي هذا من حرصها على تأدية فروض الصلاة التي تؤديها في كل أوقاتها الخمسة، ولذا فهي لا تفارق السجادة رحمها الله ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

كانت هي البيت في كل شيء، هي الأم المربية وهي الأم الحاضنة وهي الطباخة وهي الممرضة وهي المواسية وهي المضيفة وهي بعد الله سبحانه الظل الظليل لنا في البيت ولأهلها ولجاراتها من النساء الصديقات البارات، إلى درجة أنه بحكم هذه العلاقات القوية العميقة البريئة صار بعضهن أمهات لنا بالرضاعة وأصبح بعض أولادهن إخوة لنا بالرضاعة. 

فأنا شخصيا قد أرضعتني أم عيسى مبارك الكبيسي فصارت أمي بالرضاعة رحمها الله وتغمد روحها الجنة، وصار زايد مبارك الكبيسي أخي بالرضاعة رحمه الله وتغمد الله أرواحهم الجنة جميعا، لم يكن الأمر يقتصر على ذلك، وأعود لأؤكد أنها الأم الأسطورة وأنها النفس الرقراقة الشفافة العالية. 

وحينما كبرت بعض الشيء لاحظت أن هناك امرأة تأتي إليها لم اعرف في طفولتي وفي صغري أنها أم راشد أخي من أبي ضرة أمي، وقد كانت تأتي مع ابنها راشد وكنا نعاملها معاملة الأم، ذلك كله كان انعكاسا للروح الجميلة التي كانت تنطوي عليها أمي الأسطورة، فلم تعاملها معاملة الضرة الزوجة الأولى لوالدي، وإنما كانت محل الأم الثانية لنا والأخت المعززة المكرمة لديها تخدمها بكل سرور وتقدم لها القهوة والتمر أو الحلوى العمانية.

توفي والدي وكنت في الثانية من عمري وكنت أصغر أشقائي، لذا كنت ملتصقا بها خلال أيام طفولتي وصغري، وأتنقل معها متمسكا بأطراف ملابسها حين ذهابها إلى بيوت أقاربها، مثلا أم محمد زوجة عمي حسن محمد بوعلي شقيقتها الكبرى، وكانت لا تبرح منزلها حتى كانت تتغطى من مخمص قدميها حتى منبت شعر رأسها وتلتف بالحجاب والعباءة المطرزة بالخيوط الذهبية.

وأصر على أن أمي أسطورة؛ فالصفات الأسطورية تتجسد في سيرتها العطرة في كفاحها وما بذلته من جهد جبار لكي ينعم أبناؤها بما يتاح لها من أسباب العيش خلال تلك الظروف، ظروف الحربين العالميتين الأولى والثانية. 

فهناك نقص شديد في المواد الغذائية، بل أكاد أقول انعدامها في معظم الأوقات، فالموجود وربما المتيسر التمر واللبن وقد يكون الخبز في أحسن الأحوال ومادة عرفناها باسم الجريش والسمك، أما الماء ولكم أن تتصوروا معي مدى التعب والضنى والإجهاد الذي يصيب أمي الأسطورة لكي تحضر لنا الماء من أين؟؟ من مناطق في البحر يطلق عليها الجواجب أي الينابيع المائية من أعماق البحر أم السوالي وأبي شاهين وأبوقلم، وتذهب أمي مع بعض من نساء جيلها وجاراتها كي يجلبن الماء إما بالقرب وإما بالتنكات على رؤوسهن على بعد لا يقل عن أربعة إلى خمسة كيلومترات ذهابا وأخرى عودة مشيا على الإقدام من بيوتهن في الحد. 

أي صلابة وأي إصرار على الإخلاص والتفاني في العطاء من دون اكتراث بالتعب، وليس ذلك فحسب وإنما تأتي الأم لتحضر ما أمكن من الخبز والجريش والسمك وما توفر لطبخها لا معين الا الله عز وجل، فتبارك الله على القوة والصحة التي تمكنها من القيام بكل ذلك ولترضي أبناءها وتكون سعيدة لكي يكون ذلك كله في متناول أيديهم لا تغفل أمي الأسطورة عن واجبات الضيافة الحدية التي أساسها العادات والتقاليد العربية. 

وهي أن تقوم في صباح كل يوم، وأعني بالصباح بعد صلاة الفجر مباشرة بوضع سلة التمر أو الرطب أو الحلوى العمانية ومعها دلة القهوة في المجلس وباب المجلس مفتوح، ولمن هذه الضيافة، لكل من يمر في شارع الحد الأوحد آنذاك ويود أن يأكل الحلوى ويشرب القهوة عملا بالسلوك العربي أو السلك الضيافي الحدي الأصيل

حول سجادتها كنا نلتم ونشعر أنها تحتضننا جميعا صغارا وكبارا، وكانت ابتسامتها وضحكاتها الملائكية الرائعة تدخلنا إلى جو الأمومة التي تظللنا بالمحبة والعطف والحنان تماما كما كانت تعطيها لنا عندما كانت شابة في ريعان شبابها ما تغير شيء..عيونها اللامعة وكحلتها وحناء أصابعها والمشموم المنثور فوق السجادة وعطر دهن العود يفوح من حولها وسبحتها متدلية حول رسغ يدها، وكلما دخل أحد أبنائها أو أحفادها أو حفيداتها هشت وبشت وزاد انشراح قلبها وانفرجت أساريرها وصارت تسأل عن الغائبين والغائبات وتتفقد أحوالهم جميعا.

كبرت أمي الأسطورة وأصبح مجلسها المحور والمرتكز لزيارات أبنائها وزوجاتهم وأحفادها، والكل تغمره الفرحة والسعادة بالحضور ويفرح الأحفاد بما تمده يدها لهم وما تحتفظ لهم به من هدايا، ويعم الفرح. ولم يحدث قط أن تبرمت كنة من كناتها أو شكت منها أو من معاملاتها إحداهن، اختارها الله فجأة إلى جواره حتى لا تثقل على أحد خفة في روحها وخفة في حياتها وخفة حتى في موتها.

ذلك كان مجرد قبس من سيرتها العطرة التي تمثل العطاء والكفاح للمرأة الصادقة الجادة في التربية من ذلك الجيل، فهل سارت المرأة في جيل هذا العصر على خطى ذاك الجيل بالرغم من وجود الكثرة الكثيرة من الجامعات والمعاهد والخريجات، اترك الحكم لمن أراد أن يقارن وأن يحكم.. تغمد الله روحك الجنة الواسعة وجعلك مع الأنبياء والصديقين والشهداء الطيبين الأطهار.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news