العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

أمريكا لا تتخبط في الأزمة السورية

يقرأ البعض تناقض المواقف الأمريكية بشأن ما يجري في شمال شرق سوريا من أحداث وتطورات على أنه تخبط سياسي من جانب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تستند هذه القراءة بالدرجة الأولى إلى «إسقاط» الحماية الأمريكية عن حلفائهم الأكراد السوريين وجعلهم مكشوفي القوة أمام الاستهداف العسكري التركي الذي تم في الآونة الأخيرة، والتي عمدت الحكومة التركية إلى تغطية أهدافها الاحتلالية بإطلاق مسمى عملية «نبع السلام» عليها، فالولايات المتحدة الأمريكية سحبت قواتها الموجودة في المناطق المستهدفة من جانب الجيش التركي من دون أن تضع أي اعتبار لمصالح الحلفاء الأكراد السوريين، وهي بهذه الخطوة إنما تمارس سياستها الحقيقية فيما يتعلق بإدارة مصالحها في أي منطقة من المناطق التي ترى أهمية الوجود فيها.

الولايات المتحدة الأمريكية عندما سحبت قواتها بعد تأكدها من أن أنقرة ستقدم على تنفيذ تهديداتها باستهداف ما تسمى وحدات حماية الشعب الكردي، من دون أن تضع واشنطن أي اعتبار لمصلحة هؤلاء «الحلفاء» الذين استخدمتهم في فترة من الفترات، ليس في حربها ضد ما يسمى «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، وإنما بهدف آخر، أهم من محاربة (داعش) وهو تثبيت مواطئ قدم لها فوق الأراضي السورية، وتحديدا في المناطق الشرقية والشمالية، وهو ما تؤكده الوقائع على الأرض في الوقت الراهن.

ليس هناك تناقض في المواقف الأمريكية تجاه ما يجري في سوريا من تطورات، وخاصة في الفترة الأخيرة بعد انحسار تهديد الجماعات الإرهابية، ولا سيما جماعة (داعش) والقاعدة «النصرة السورية»، فالولايات المتحدة خرجت من الباب لتعود ثانية من النافذة، فالقوات الأمريكية التي كانت موجودة في شمال شرق سوريا لم تفعل سوى فتح الأبواب أمام القوات التركية من دون عوائق وتمكينها من تحقيق أهدافها، أي طرد قوات ما يسمى وحدات حماية الشعب الكردي لمسافة ثلاثين كيلومترا عن الحدود التركية السورية.

الجانب التركي حقق جزءا من مبتغاه الجيوسياسي من وراء عملية الغزو لشمال شرق سوريا وأمنت تركيا خلو المنطقة التي استهدفتها من العناصر العسكرية الكردية، سواء عبر اتفاقها من روسيا أو من خلال ما حققته عسكريا، لكن ما يخص الولايات المتحدة هو شيء آخر تماما، فما إن حققت القوات التركية ذلك حتى عادت أمريكا عسكريا، ليس لمواصلة «الحرب» على (داعش)، ولا من أجل إعادة «حماية» حلفائها الأكراد السوريين، وإنما من أجل تعزيز حماية مصالحها السياسية التي تسعى للحصول عليها جراء تدخلها في الأزمة السورية.

على الجانب الأمريكي، فإن واشنطن سارعت إلى إعادة قواتها إلى شمال شرق سوريا بمجرد تأكدها من أن تركيا حققت الجزء الأكبر من هدفها، لكن أمريكا أعادت هذه القوات ليس بذريعة «محاربة» (داعش) وإنما تحت حجة أخرى وهي «حماية» آبار النفط السورية، وهي حجة تكذبها تصريحات أمريكية أخرى صدرت بشأن هذه الخطوة تحدثت عن توجه أمريكي لاستغلال عوائد النفط المستخرج من هذه الآبار لــ«دعم» الحلفاء الأكراد.

كما كانت هذه الشماعة إلى جانب «محاربة» الإرهاب ذرائع اتخذتها أمريكا لانتهاك السيادة الوطنية السورية وتثبيت وجود عسكري غير مشروع فوق الأراضي السورية، تأتي واشنطن هذه المرة لتستخدم شماعة «حماية» الآبار لتحقيق أهداف أكبر وأبعد من هذه العناوين، فأمريكا في إطار انخراطها في الصراع على تقاسم الكعكة السورية، تشعر بأن خططها لا تسير وفق ما تشتهيه بشأن هذه المسألة، وخاصة بعد الدخول الروسي القوي على خط الأزمة السورية وتلاقي بعض خيوط الموقفين الروسي والتركي من هذه الأزمة مع بعضهما بعضا، الأمر الذي ترى فيه واشنطن تطورا سلبيا يؤثر على مصالحها.

فالعودة العسكرية الأمريكية إلى الأراضي السورية، وتحديدا إلى المناطق التي تنتشر فيها معظم آبار النفط السورية، تستهدف الإمساك بأوراق مهمة تخدم المصلحة الأمريكية من دون سواها، فهذه الآبار تقع معظمها في مناطق تحت سيطرة التشكيلات العسكرية الكردية السورية، وهذه التشكيلات مسؤولة مسؤولية مباشرة عن تهيئة الأرضية لتدخل القوات الأمريكية في هذه المناطق السورية، كما أنها مسؤولة عن فتح المنافذ أمام الاستخبارات «الإسرائيلية» للتواجد فوق الأراضي السورية.

الفصائل الكردية السورية، لم تأخذ العبرة من الموقف الأمريكي الأخير حيالها وجعلها فريسة سهلة أمام القوات التركية التي غزت شمال وشرق سوريا، فهذه الفصائل صدقت وبسرعة مذهلة، الوعود الأمريكية لها بــ«حماية» آبار النفط السورية «لصالح» هذه الفصائل و«منع» (داعش) من الاستيلاء عليها، وهي، أي الفصائل الكردية السورية، ستدفع أثمانا أخرى وربما أكثر مما دفعته حتى الآن طالما أنها مصرة على وضع جميع بيضها في السلة الأمريكية وعلى حساب المصالح العليا للوطن السوري.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news