العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الاسلامي

تأملات في آيات القرآن الكريم (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا)

بقلم: د. محمد عطا مدني

الجمعة ٠٨ نوفمبر ٢٠١٩ - 03:00

كيف يعقل القلب؟(1)


 

لقد أدى الانفصال بين العلم والدين إلى الهبوط بالعلم إلى مدارك غير مفهومة، وأصبح عاجزا عن الإجابة عن تساؤلات كثيرة، ولهذا أضحت جوانب عديدة من العلم المادي مبهمة وتحتاج إلى تفسير. من هنا كانت الحاجة إلى لغة جديدة، ومنهج جديد، يربط بين العلم المادي وبين الدين السماوي، فكانت لغة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وهذا ما كان ينقص العلم المعاصر، الصلة مع خالق الكون، وهو (جل شأنه) مبدع تلك الظواهر التي تبحثها العلوم الطبيعية. 

ومن ضمن القضايا التي عانت كثيرا من ذلك الفصل، قضية قلب الإنسان، وما جاء ذكره في آيات القرآن الكريم بأنه (يعقل)، وذلك الإصرار من جانب الأطباء سنوات طويلة، على أن القلب مجرد عضلة تعمل على ضخ الدم، ولا شأن لها بالتعقل والتفكر والتدبر.

ولكن ما اكتشفه العلم الحديث في السنوات القليلة الماضية، أكد ما جاء به القرآن الكريم، بل اكتشف كيفية (التعقل) بواسطة القلب.

 وعليه لم يعد السؤال: هل يعقل القلب؟ لأن الإجابة اليقينية هي نعم، ولهذا فمن الأفضل والأكثر فائدة للقارئ أن يكون عنوان هذا المقال وما يليه: كيف يعقل القلب؟ ونحن لا نحتاج الى أن نثبت أن القلب (يعقل) فقد أتى ذلك صراحة في آيات القرآن الكريم، وسوف نرصد بعض الشواهد التي جاءت في هذا الشأن، وصولا إلى (الكيفية) التي يعقل بها القلب كما اكتشفها العلم حديثا.

قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج 46)

(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف 179)

(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد 24)

هكذا أوضحت آيات القرآن الكريم بصورة جلية وظيفة القلب للإنسان، وقد اعتبر القلب في الأدب العربي القديم موطن الحب والكره، ومكان السر والعلن، ومحل الفرح والحزن، وهي مكانة سامية بلا شك، ولما جاء الإسلام، أصبح القلب يعبر عن مكانة أكثر سموا، فهو بالإضافة لما سبق، موطن الطهر والشهادة، والإسلام والإيمان، والنقاء والزيغ، وطاعة الله أو الشقاء، وهو موطن اليقين والذكر.

وقد ذكرت معظم المعاجم أن (القلب) هو (العقل)، جاء في (مختار الصحاح): أن القلب هو الفؤاد، ويعبر به عن العقل. وفي (القاموس المحيط): هو العقل ومحض كل شيئ. وفي (لسان العرب): العقل: القلب. كما ورد في المنجد (القلب هو العقل). ولقد ورد قول للفراء في تفسيره لقوله تعالى: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) ق(37): أي عقل. قال الفراء: وجائز في اللغة العربية أن تقول: أين ذهب قلبك، أى أين ذهب عقلك؟

ويقول الحارث بن أسد المحاسبي: له قلب: أي له عقل. وفسر ابن عباس أيضا القلب بالعقل، وقال: العقل قوة من قوى القلب، وقال أبو الليث: لمن كان له قلب، أي عقل، لأنه يعقل بالقلب فكني عنه. وهذا يعني أن العقل الذي يدرك الحكمة مكانه القلب.

 ومن الفلاسفة المسلمين الذين كتبوا في القلب، الفارابي، الذي ذكر أن القلب هو العضو (الرئيس) الذي لا يرأسه من البدن عضو آخر، ويليه الدماغ وهو عضو (ما رئيس)، ورئاسته ليست رئاسة أولية، لكنها رئاسة ثانية، ذلك لأنه يرأس بالقلب، والقلب يرأس سائر الأعضاء. 

أما الإمام الغزالي فيقول: للعقل معنيان، أنه قد يطلق ويراد به العلم بحقائق الأمور، فيكون عبارة عن صفة العلم الذي محله القلب، والثاني أنه قد يطلق ويراد به المدرك للعلوم فيكون هو القلب. ويقول الأستاذ حسين القوتلي: إن لفظ (القلب) الذي ورد في القرآن الكريم، كما جاء في بعض التفاسير، إنما يعني العقل بالمعنى القرآني للكلمة.

ويمكن القول مما سبق أن (العقل) هو الإسم المعنوي لشيئين محسوسين هما (القلب والمخ)، وأما فيما يتعلق بالآيات التي ورد فيها لفظ (القلب) فنجد أن القرآن الكريم يحتوي على مائة واثنتين وثلاثين آية ذكر فيها القلب، وقد جاءت هذه الآيات تحمل معاني مختلفة للقلب، فبعضها أشار إلى العقل، وبعضها إلى الوجدان والعاطفة، ومنها ما احتمل هذا وذاك.

وهناك مفهوم شائع عند بعض الكتاب والعلماء، وهو أن المخ يمثل الإرادة والتفكير والسيطرة على النفس، بينما القلب يمثل العاطفة والوجدان. ولكن هذا المفهوم لا يقره القرآن الكريم، لأنه يحول النفس البشرية إلى مناطق نفوذ أو ملكات منفصلة (faculties separate)، وهذا ضد طبيعة النفس الإنسانية التي تتمتع بتداخل وتمازج أجزائها بصورة لا مثيل لها. ولذلك نجد أن معاني القلب في القرآن الكريم تختلف كثيرا عن هذا المفهوم، فعالم القلب عالم قائم بذاته، واسع المعاني، متعدد الجوانب، لا يمكن حصره في المعاني العقلية وحدها، ولا في المعاني الوجدانية وحدها كما سيتضح فيما بعد. 

وخلال سنوات طويلة درس العلماء والأطباء القلب من الناحية الفيزيولوجية، واعتبروه مجرد مضخة للدم لا أكثر ولا أقل، ولكن مع بداية القرن الحادي والعشرين، ومع تطور عمليات زراعة القلب، وتزايد هذه العمليات بشكل كبير، بدأ بعض الباحثين يلاحظون ظاهرة غريبة ومحيرة لم يجدوا لها تفسيراً حتى الآن، إنها ظاهرة تغير الحالة النفسية للمريض بعد عملية زرع قلب له، هذه التغيرات النفسية عميقة لدرجة أن المريض بعد استبدال قلبه بقلب طبيعي، يتبدل ما يحبه ويكرهه، وذكروا أيضا أنها قد تؤثر على إيمانه، بل اكتشفوا في القلب خلايا للذاكرة، وقد اتضح أن كل ما يكتشفه العلماء في القرن الحادي والعشرين عن القلب، قد تحدث عنه القرآن الكريم، وهذا السبق القرآني في عالم القلب، يشهد على عظمة ودقة القرآن الكريم. 

وبهذا أكد العلم الحديث ما ذكره القرآن الكريم من أن القلب يعقل، وفي مقالنا القادم سنتعرف على الكيفية التي يعقل بها القلب. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news