العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (99)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٠٨ نوفمبر ٢٠١٩ - 03:00

 المرحلة المصرية (78):

 

سماحة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين

دار حديث بين فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين وبين مندوب جريدة «الأهرام» حول: أهمية ما يتعلق بالأجانب المقيمين بمصر وما حكم الشريعة الإسلامية في معاملتهم وكيف ينظر الإسلام إليهم وقد أجاب فضيلة الإمام عن كل ذلك إجابة رصينة سديدة استمدها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن أقوال وأفعال سلفنا الصالح رضي الله عنهم: قال فضيلته:

ينظر الإسلام إلى رسالات الله كلها على أنها دين واحد تتفق في أصولها وروحها وغاياتها وإن اختلفت في صورها ومظاهر تطورها.

ولذلك كان الإسلام هو الدين الوحيد الذي عرفه البشر داعيًا إلى تكريم رسل الله وأنبيائه جميعًا، فقال عز وجل في أواخر سورة البقرة:

«آمن الرسول بما أنزل من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» [البقرة: 285].

فنظرة الإسلام هذه إلى وحدة الأصل ووحدة الغاية في ديانات الله ورسالاته كلها كان من أولى نتائجها: أن لا ينظر المسلمون إلى شيء من ديانات الله نظرة ضغينة أو عداء، وأن لا يذكروا واحدًا من الذين حملوا رسالات الله إلى أهل الأرض إلا بالتعظيم والإجلال والتكريم فإذا ذكروا واحدًا منهم، قالوا مثلاً «سيدنا إبراهيم عليه السلام وسيدنا موسى الكليم عليه السلام وسيدنا عيسى عليه السلام». يقولون ذلك عن عقيدة وإيمان لأن كتابهم الحكيم طالبهم بأن يؤمنوا بذلك وأن يقولوا «لا نفرق بين أحد من رسله».

ولا شك عندنا بأن دين الإسلام هو أول دين في العالم أعلن هذا المبدأ وهذا في سورة البقرة أيضًا «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» [البقرة: 251] بل لعل الإنسانية لم يطرق النداء بهذه العقيدة سمع أحد منها في أي بلد من بلاد الأرض قبل أن يفرض الإيمان بها في أرض الحجاز وقبل أن تقرر على أنها عقيدة من صميم الإيمان الإسلامي، فكل مسلم يخرج عليها أو يعمل بما ينافيها فهو مخالف لشعبة عظيمة من شعب إيمانه بالإسلام.

والقرآن يسمى المنتسبين إلى التوراة والإنجيل (أهل الكتاب) ومع تسامحه العجيب الذي لم يسبق له مثيل مع بني الإنسان جميعًا فإنه خص أهل الكتاب بمنزلة اسمى ومعاملة أكرم من ذلك قول الله عز وجل «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون» [العنكبوت: 46].

وغير المسلمين في نظر الإسلام ثلاثة أصناف: محاربون، ومعاهدون، وأهل ذمة. أما حكم الإسلام في المحاربين له أن يدفعهم المسلمون إذا هاجموا وأن يبادروهم بما يكف بأسهم إذا تحفزوا وأن يقوموا اعوجاجهم إذا اعتدوا على الحق إلى أن يعودوا إلى الإنصاف وفي ذلك يقول سبحانه في سورة الحج: «أُذن للذين يقاتلون (أي يقاتلهم المعتدون) بأنهم ظلموا (أي في حالة ظلم عدوهم لهم) وإن الله على نصرهم لقدير» [الحج: 39].

ويقول في سورة البقرة: «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» [البقرة: 190].

ثم إن القتال لا يكون في سبيل الله إلا إذا التزم فيه المسلمون مرضاة الله والله لا يرضى منهم إلا الإنصاف والعدل والرحمة وإيثار الحق على الباطل والخير على الشر في جميع التصرفات وهذا هو سبيل الله، وما خالفه فليس من سبيل الله والقتال لا يكون فيه شرعيًا.

ولو أردنا الإفاضة في تفاصيل مبادئ الإنسانية العليا في أحكام الإسلام الحربية لاحتجنا إلى تأليف كتاب لأنه لا يتسع له مقال في الصحف وقد جعلها دينًا يحاسب أهله عليه بين يدي الله فضلاً عما ينالهم في الدنيا من الخزي إذا خالفوا هذه المبادئ العليا.

ولا نظن أن أمة بلغت مبلغ المسلمين في ذلك فضلاً عن الرحمة والرفق في تطبيق هذه المبادئ منذ أربعة عشر قرنًا.

ومن الرفق الذي أقام عليه الإسلام سياسته الحربية: أنه منع التعرض بالأذى لمن لم ينصبوا أنفسهم للقتال كالرهبان والفلاحين والنساء والأطفال والشيخ الهرم والأجير والمعتوه والأعمى والمصاب بالزمانة (مرض يدوم). بل من الفقهاء من لا يجيز قتل الأعمى والزَّمِن (المرض بمرض مزمن) ولو كان من ذوي الرأي والتدبير في الحرب!.

(يقول كاتب هذه السطور: أين هذا من الوحشية التي تفوق وحشية الحيوانات في الغابات، والولوغ في الدماء الذي يموج به العالم الإسلامي وغير الإسلامي وأين حقوق الأقليات المسلمة التي أصبحت دماؤها من ارخص الدماء في العالم؟ والطامة الكبرى أن يُمارس كل ذلك باسم نصرة الإسلام من بعض الضالين المضلين).

أما الصنف الثاني – في نظر الإسلام – وهم المعاهدون أي الذين انعقد بينهم وبين المسلمين عهد على السلم فيجب على المسلمين الوفاء لهم بعهدهم كاملاً وأن يستقيموا لهم ما استقاموا للمسلمين.

وقد وصَّى النبي صلى الله عليه وسلم أمته بالذين بينهم وبين المسلمين معاهدة فقال: «من ظلم معاهدًا أو كلفه فوق طاقته فأنا خصمه يوم القيامة» وحتى لو توقع المسلمون الغدر والخيانة من عدوهم المعاهد فلا يجوز لهم أن يعجلوهم بالقتال إلا بعد انذارهم وإعلانهم إلغاء حالة السلم التي كانت بين الفريقين. وهذا معنى قول الله عز وجل في سورة الأنفال «وإما تخافن من قوم خيانة فأنبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين» [الأنفال: 58]. ومن تمام ذلك قوله سبحانه في سورة التوبة: «إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئًا ولم يظاهروا عليكم أحدًا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين» [التوبة: 4].

ثم قوله بعد قليل: «وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون» [التوبة: 6].

وأكثر الأحكام التي يعامل بها المعاهدون في بلاد المسلمين مبنية – بعد الوفاء بالعهد – على مبدأ المقابلة بالمثل، فيُعامل رعايا كل فريق من الذين بيننا وبينهم عهد بمثل ما يعاملون به رعايانا إذا دخلوا بلادهم. ويوصي الإسلام بنيه بأن يرتبطوا بهم في بلادنا برباط الألفة والعطف والتعاون وأن يكونوا متمتعين بحقوقهم المدنية آمنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.

أما الصنف الثالث وهم أهل الذمة فإن مكانتهم في الإسلام أعظم من كل ما تقدم، فلفظ الذمة معناه: ذمة الله وعهده وأمانته ورعايته، وقد ورد في الحديث النبوي «من قذف ذميا حُدَّ يوم القيامة بسياط من نار» وروى الخطيب البغدادي في تاريخه وهو من كبار أئمة الحديث الشريف وحفاظ السنة النبوية عن عبدالله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من آذى ذميًا فأنا خصمه ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة» وقد بنى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على هذا الحديث إلى قائده العظيم في جيش الفتح الإسلامي لمصر وواليه على وادى النيل وهو عمرو بن العاص فكتب إليه عقب فتح مصر يقول: «احذر يا عمرو أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم لك خصمًا فإنه من خاصمه خصمه». ونص عمر بن الخطاب على نفسه فيما كتبه من العهد لأهل بيت المقدس عند فتحها فقال: أنه «أعطاهم الأمان لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسائر ملتهم، لا تسكن كنائسهم ولا ينقص منها ولا من خيرها (أي أوقافها وصدقاتها) ولا من صُلبهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم».

وقد نص الفقهاء عند استنباط الأحكام التشريعية من حديث: «لا يبيع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب على خطبته» فقالوا: البيع على بيع غير المسلم الداخل في ذمة الإسلام كالبيع على بيع المسلم والخطبة على خطبته كالخطبة على خطبة المسلم، كلاهما حرام. وفي آداب المعاشرة نبهوا على حقوق أهل الذمة وندبوا إلى الرفق بهم واحتمال الأذى في جوارهم وحفظ غيبتهم ودفع من يتعرض لأذيتهم.

وقال الشهاب القرافي – وهو من كبار أئمة التشريع في الإسلام – في كتابه الشهير «بالفروق» إن عقد الذمة يوجب لهم حقوق علينا لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا وفي ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام. فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم أو أي نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة الإسلام.

وبعد فإن المسلمين قد استناروا بسماحة دينهم وتعلموا من آدابه أن يحسنوا معاشرة أصحاب الأديان الأخرى ممن لا يكيدون لهم كيدًا ولا يظاهرون عليهم عدوًا، وأرشدهم إلى أن يعيشوا معهم في صفاء وتعاون على المصالح الوطنية المشتركة وأنه لا ينحرف من المسلمين عن هذه الأحكام والآداب إلا المنحرفون عن دينهم والعياذ بالله.

(مجلة الأزهر ج3 م24 ربيع الأول 1372هـ / نوفمبر 1952)

(وإلى حديث قادم بإذن الله) 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news