العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الاسلامي

الطغيان الفكري (1)

بقلم: عاطف الصبيحي 

الجمعة ٠٨ نوفمبر ٢٠١٩ - 03:00

 

هذا طغيان أوردنا المهالك وما زال، طغيان حاصرنا واستنزف قوانا، طغيان أهلك الحرث والنسل، طغيان أنجب سلسلة من أنواع الطغيان الأُخرى، فلا طاغية يطغى إلا ويتكئ على قاعدة فكرية مشوّهة، فعلى سبيل المثال الطغيان العقائدي استند على قراءة أُحادية للنص وأغلق دونها الأبواب، فكان ما كان من تصارع وتنافر واقتتال أحيانًا سواء بتاريخنا أو تاريخ الأُمم الأُخرى السابقة والحالية، لكنه حطّ رحاله عندنا ويأبى المغادرة، في حين خلّفته كثير من الأُمم وراءها، طغيان أبسط ما يُقال به أن القائمين عليه ومعتنقيه خالفوا صريح القرآن، وضربوا بعرض الحائط مئات الآيات التي تأمر بالسماحة، والسير بالأرض والآفاق للاستزادة من علم الله المبثوث في الأرجاء والأنحاء كافة، طغيان وللأسف العميق ما زال حاضرًا ومهيمنًا في فكرنا، وكأن القرآن والتاريخ ليسا لنا، فلا نتعظ ولا نعتبر، طغيان يبعث في النفس الكآبة والحزن.

كتاب مُحكم، مكنون وكريم شرّفنا الله به، نزل على قلب الأمين محمد صلى الله عليه وسلم، تلقاه بأحسن ما يكون التلقي، وتفاعل معه وصحبه الكرام، بأقصى الطاقات العقلية لديهم، وعلى منوال الجيل القرآني الأول سار التابعون، واستحدثوا ما لم يفعله الأولون، حتى بدأ عصر التدوين والتوثيق، فلهم من الله الأجر ومنا الشكر والعرفان والدعاء أيضًا، ولكن خلَف من بعدهم خلْف أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة واحتكروا العلم وحصروا القراءات بقراءتهم- والتعميم خطأ علمي كبير- وشُبه لهم أن ما حدث في القرن الأول والثاني خاتمة النوازل ونهاية العلم، مُعلنين بذلك استقالة العقل، داعين للتقليد، وكأن كتاب الله توقف إعجازه عند تلك المرحلة، وعند تلك الأفهام، متناقضين مع أبسط قواعد الفكر والإيمان التي يقولونها بُكرةً وعشيا، وبديهيات الفقه التاريخي تخالف ذلك، فبدأ الانحدار من اليوم الذي قالوا فيه لا اجتهاد في النص، ولعمري إن لم يكن الاجتهاد بالنص فأين يكون.

بديهيات الفكر تنص على أن العلم تراكمي البناء، قاعدة يلوكونها بألسنتهم ليل نهار وهي من التطبيق والتفعيل براء، والكل يعلم أن لكل جيل بصمة جديدة وحظ معين من القراءات الجديدة في القرآن، أليس كتاب مكنون مكتنز بالأفكار – كما يقول الحاج حمد رحمه- الذي حُورب بلا هوادة وجُمد مؤلفه حينًا من الدهر من لجنة من ما يسمونهم كِبار مثقفي الأمة، ولا ذنب له إلا أنه اعتكف واجتهد وجاء بشيء جديد لم يأت به الأوائل، فإذا كان هذا حال النُخب فما بالنا بعوام الناس! الشيخ العلامة أبو زهرة – رحمه الله- يقول: هناك فتاوى حبيسة صدري منذ عشرين عاما، لم يجرؤ على إعلانها على الملأ لأنه خشي المعارضة الشديدة، والتكفير وهدر الدم، بسبب طغيان تيار فكري معين، نهل من التراث علما وحرّم على غيره أن يقول خلاف ما قالوا به، أليس هذا مخالفة صريحة للكتاب الكريم، الحاج حمد ومحمد شحرور وأبو زهرة ما هم إلا أمثلة على الظلم والحيف والجور والطغيان الفكري الحالق لكل رأي وقول وفكرة، وهذا أمر خطير على عقيدة المسلم نفسه، فإصباغ صفة الأبدية على فكرة من أي إنسان بعد الرسول الكريم تُدخل المُتمسك بها والداعي لها في الشرك والعياذ بالله، فانظروا إلى صاحب الجنتين في سورة الكهف وإلى رد صاحبه عليه، حيث وصمه بالكفر مرة «أكفرت بالذي خلقك...» وتبرأ من الشرك الذي وقع فيه صاحبه تارة أُخرى «ولكنّا هو الله ربي ولا أُشرك بربي أحدا»، وهذا مرده إلى القراءة غير المرتلة للقرآن العظيم «قراءة منفصلة للآيات» من دون جمع كل الآيات ذات الموضوع الواحد وقراءتها بشكل وحدة عضوية متكاملة، وهذا المعنى وارد في القرآن الكريم «الذين جعلوا القرآن عضين».

السؤال البديهي المُتكرر: أين عشرات الآيات التي تحدثت عن الذين يعقلون، والذين ينظرون، والذين يفقهون؟ وهل نزلت لقوم دون قوم؟ وهل أُختصت بزمان دون زمان؟ هذا هدر للطاقة التعزيزية المخزونة في تلك الآيات، ثم يأتي من يقول لنا أن ما قال به فلان من القرن الرابع أو الذي قبله أو الذي بعده لا ينبغي بل ممنوع تجاوزه، والكل يقول ويُردد أن «كل إنسان يُؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر», لا تدري يا صاحب القبر ماذا أحدثنا بعدك، عليك الصلاة والسلام!

الناظر في القصص القرآني يجد بأنه حتى التشريعات بدأت محدودة للغاية بجانب التوحيد، فهو أي التوحيد الذي لم يعتريه التبديل والتطوير وكل ما عداه من تشريعات تطورت حتى بلغت الهادي الأمين محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فكيف الحال مع العلوم والمعارف والأفكار، وإذا ما علّلنا سبب التطور التشريعي نجده مرتبطا بالنضج المعرفي، حتى وصل الأمر للتجريد الكامل ممثلاً بالقرآن الكريم، لعلم الله بأن الناس وصلوا لمرحلة تؤهلهم لفهم هذا المجرد المتجسد بالكلمة القرآنية ولا شيء غيرها، فحلت الآية بدل العصا التي تلقف من يأفكون، والسورة القرآنية أبلغ من ناقة صالح، فناقة صالح معجزة آنية وانتهت بزمانه عليه السلام، أما الكلمة القرآنية المُجردة ما زالت محل القراءة والتفسير والتأويل والاستنباط، وقراءة متأنية للقرآن تدعم هذا القول.

الطغيان مرتبط عضويًا بالحرية، الحرية التي نلحظها من الفاتحة إلى الناس، وتُفصح عن نفسها في شعارنا الأزلي «لا إله إلا الله», ففي ساحة الحرية تتلاقح الأفكار وتتولد المعارف وتتآلف النفوس ولكنها لا تتوحد كما يقول المُفكر السوداني الحاج حمد رحمه الله، وتنهض الأمة كما كانت في عهد الكرام الذين تولوا مقاليد الأمور بعد الرسول الكريم، فلا يخفى على أحد سقف الحرية اللا محدود الذي أعلنه الصدّيق في أول ولاية بشرية بمعزل عن الوحي، وتبعه فاروقنا ابن الخطاب الذي ما فارق الحياة وإلا وقد أسس لدولة عز نظيرها في زمانه، بناها على الحرية وأقام قواعد للحوار والتثاقف، لعلمه اليقين أنّ البطش والطغيان لا ينمو في ظلهما إلا فطريات الكائنات وطحالبها، عليك يا رسول السلام وعلى صحبك الكرام الرضوان، فهل من مدكر. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news