العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الاسلامي

القرآن والعلم (3)

بقلم: د. علي أبو هاشم

الجمعة ٠٨ نوفمبر ٢٠١٩ - 03:00

 

دعا القرآن إلى طلب العلم، وفتح كل باب إليه، ورغب في طلبه، وحث عليه، بشرط ألا يكون فيما حرم الله ونهى عنه، وألا يكون فيما يؤدي إلى الفساد في الأرض وبين الناس، قال تعالى: «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون». الروم:41. وكل علم لا يعود بالنفع على الناس، ولا يوصل إلى خشية الله، فلا خير فيه، ولقد ظهر من العلوم في عصرنا الحاضر ما يُدمر البشرية، ويُهلك الإنسانية، كما في أسلحة الدمار الشامل، حتى غدت خطرا على من يملكونها أنفسهم، وخطرا على عموم الحياة والبيئة (من زرع وطير وحيوان) حتى عند التخلص منها تهدد الإنسانية وتُفسد البيئة التي أصلحها الله تعالى لعباده، ليعمروا الأرض ويُصلحوا الكون، مثل هذه العلوم يُحذر القرآن منها، ويسد الطريق عليها لما يترتب عليها من فساد وإفساد. يقول تعالى: «ولا تُفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين». الأعراف:56. لأن الغاية من العلم في القرآن الإصلاح والتعمير، وتحقيق النهضة والرقي للإنسانية، والتدبر في خلق الله وما أودعه في خلقه من أسرار حكمته، وبهذا يؤدي العلم إلى خشية الله وتوحيده سبحانه، وهو ما دل عليه قوله تعالى: «إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور». فاطر: 28. يقول القرطبي في تفسيره: يبين تعالى أن في الأرض علامات تدل على قدرته على البعث والنشور، فمنها عود النبات بعد أن صار هشيما، وقال قتادة: المعنى من سار في الأرض رأى آيات وعبرا، وفي الأرض من عجائب صنع الله من الجبال المختلف ألوانها والصحاري والغابات والأودية، يقول تعالى: «ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور». فاطر: 27-28. ويقول أبو نواس:

تأمل في نبات الأرض وانظر    إلى آثار ما صنع المليك 

عيون من لجين شاخصات     بأحداق هي الذهب السبيك 

على قُضب الزبرجد شاهدات    بأن الله ليس له شريك 

وقال ابن المعتز:

فيا عجبًا كيف يعصى الإله   أم كيف يجحده الجاحد.

وفي كل شيء له آية    تدل على أنه واحد. 

يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: ينبهنا الله على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد، وهو الماء الذي ينزله من السماء، يخرج به ثمرات مختلفا ألوانها، من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض، إلى غير ذلك من ألوان الثمار، كما هو المشاهد من تنوع ألوانها وطعومها وروائحها، كما قال تعالى في آية أُخرى: «وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ». الرعد: 4. حيث جاءت هذه الآية لتذكر بعظيم قدرته وما أودعه من أسرار حكمته في خلق الكون والإنسان، والطير والحيوان والنباتات والجبال، ودلائل قدرته، مما يُحقق لأهل العلم خشية الله وطاعته، ويعود بالنفع على الإنسانية جمعاء، وفي عصر العلم والنهضة الحديثة حيث يؤمن الناس بالعلم، وقد سيطر العلم على كل مناحي الحياة الحديثة، نرى في القرآن الكريم الإشارات التي تدل على مكانة العلم، وتحث عليه، يقول تعالى: «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد». فصلت: 53. ومن بلاغة التعبير في القرآن الكريم، اقتران الفعل المضارع بالسين، وهي تفيد الاستقبال، أي سنريهم ونكشف لهم في المستقبل، الآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة في الكون وفي أنفسهم، ليعلموا أن الله حق وما وعدهم به صدق، وهي المعجزات الدالة على قدرة الله وعظمته، وتظهر في زمن العلم، فيعلم حينها الإنسان أن لهذا الكون ربا خالقا يجب على كل العباد توحيده وعبادته، ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار. إن التفكر والتدبر فيما خلق الله في النفس والكون واجب ديني، غايته الوصول إلى القناعة التامة بوجود الله ووحدانيته، يقول تعالى: «وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تُبصرون». الذاريات: 20-21. ويدل هذا على أهمية طلب العلم ومكانة العلماء في القرآن، مع التذكير بأن القرآن الكريم لم يكن كتاب تجارب وأبحاث علمية، لكنه كتاب هداية وموعظة ورحمة للمؤمنين، يُنظم علاقة العبد بربه، وعلاقته بالناس بعضهم ببعض، ويُنظم شؤون الحياة، ويؤكد حقوق العباد عن طريق الأحكام التشريعية، وإرساء قواعد العدل في الحكم بين الناس، وتشريع الحدود التي تنظم حياة الأفراد والمجتمعات، ويبين الله تعالى فيه ما فرضه على عباده إجمالا وتفصيلا، ومع ذلك فالقرآن معجز من جميع الوجوه، اللغوية والخبرية، والتشريعية، والعلمية، وهذا من كمال الإعجاز فيه. يقول تعالى: «وإنه لكتاب عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد». فصلت: 41-42.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news