العدد : ١٥٢٠٨ - الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٠٨ - الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

المسؤولية عن المخالفات في تقرير ديوان الرقابة المالية

بقلم: د. محمد عيسى الكويتي

الأربعاء ٠٦ نوفمبر ٢٠١٩ - 03:00

أصبح تقرير ديوان الرقابة المالية حدثا سنويا ينتظره المجتمع ليعبر عن بعض ما يشعر به تجاه الجهاز التنفيذي ومؤسسات الدولة التي ترد بشأنها مخالفات وتجاوزات. وفي كل عام ينتظر المجتمع هذا التقرير ليلقي بالمسؤولية على مجلس النواب في عدم الفعالية في وقف الهدر المالي الذي يظهر في هذا التقرير.

في هذا العام تزامن التقرير مع ارتفاع شدة وطأة قضايا ساخنة مثل التعطل وزيادة وتقارير وتصريحات لجنة البحرنة التي أظهرت غياب خطة وطنية لاستقطاب الكوادر البحرينيين بدلا من الأجانب. النقطة الثانية التي أثرت في المجتمع هي قضية فواتير الكهرباء سواء على القطاع الخاص أو على الأفراد، إذ أصبحت نقطة ساخنة بعد انتشار فيديوهات التواصل الاجتماعي المؤثرة لعائلات تشتكي منها. القضية الثالثة هي التعليم وتأثيره على التنمية ووجود أعداد كبيرة من الأجانب في سلك التعليم وورود ملاحظات على الوزارة في التقرير في هذا الشأن. والنقطة الرابعة المؤثرة على المستوى البعيد هي قضية الدين العام وارتفاعه الكبير الذي تجاوز نسبة 95% من الناتج المحلي ما يؤثر على ثقة المستثمر. 

أولا نؤكد أن الرقابة لا بد وأن تُبرز مخالفات وهذا أمر طبيعي يحدث في كل دولة وفي كل مؤسسة عمل عامة أو خاصة. وبالتالي فإن المشكلة ليست في وجود الأخطاء والمخالفات وإنما المشكلة في طبيعة أسباب المخالفات وفي كيفية التعامل مع هذه الأسباب، والتعامل مع تأثيراتها وكيفية الحد من تكرارها. فهل مجلس النواب والوزارات يقومون بما يكفي لمعالجة جذور المشكلة؟ 

أبرز التقرير أنواعا من المخالفات، فهناك أولا مخالفات يمكن تصنيفها على أنها إدارية أو تقديرية ناتجة عن نقص في التدريب أو التأهيل يجعل المسؤولية أكبر من قدرات المسؤول. لكن الأهم هي المخالفات أو الأخطاء الناتجة من عدم وضع خطوات مناسبة لمعالجة مشاكل كبيرة مثل البطالة وتجويد التعليم والتعامل مع الدين العام. أو أخطاء ناتجة عن سياسات وضعت وحدث عنها نتائج لم تكن متوقعة أو أنها متوقعة لكن كان يعتقد أنها مقبولة كثمن لتنفيذ ذلك. وهذه مسؤولية تتعلق إما بسلامة تقدير المسؤول أو تتعلق بكفاءته وقدراته، أو أنها نتيجة لزيادة ثقة المسؤول في قدرته على تفادي المساءلة والمحاسبة لأسباب تتعلق بشخصه أو بعلاقاته. وقد بين التقرير عددا من هذه الحالات سوف نتناول ثلاثا منها.

أول الحالات الثلاثة هي «غياب خطة على مستوى الدولة لاستقطاب الكوادر البحرينية بدلا من الأجانب». قد تكون هذه القضية هي مثال على انتهاج خطوات لها تأثير عميق على المجتمع تحدد استفادة المواطن من التنمية وتؤثر بشكل مباشر في مستقبل المجتمع. السؤال أولا: لماذا لا توجد مثل هذه الخطة؟ ثانيا: من المسؤول عن غيابها؟ وثالثا: ماذا سيكون موقف مجلس النواب من هذه القضية؟ 

بعض الإجابات التي وردت من الوزارات حول هذه القضية هي «عدم توفر التخصصات والمهارات المطلوبة في السوق». وكتبنا حينها بضرورة وجود خطة تدريب للكوادر والمهارات والتخصصات المطلوبة. السؤال هل عدم تدريب كوادر بحرينية هو تقصيرٌ إداري أم أنه تقصيرٌ في الأهداف وفي التوجهات وفي وضع السياسات المناسبة؟. وبالتالي فإن القضية ليست إحالة إلى النيابة العامة وإنما هي مسؤولية عامة يتحملها المسؤول المختص. إن وجود 575 موظفا أجنبيا تجاوز الستين من العمر ومازالت الخدمة المدنية تجدد لهم دون وضع خطة إحلال بحرينيين لا يمكن اعتبارها قضية إدارية، كذلك وضع خطة استراتيجية في هيئة تنظيم المهن والخدمات الصحية للفترة من 2016 إلى 2020 دون وضع مؤشرات أداء يمكن تقييم ما تحقق من أهداف لا تعتبر خطأ إداريا، وهذا ينطبق على معظم الجهات التي لم تضع خططا أصلا! لذلك فهذه قضايا تتطلب مساءلة نيابية وليس فقط قضية تحال إلى النيابة.

القضية الثانية المهمة هي قضية التعليم وقد ورد في التقرير أن 20% من الطلبة يتسربون من جامعة البحرين ونقص كبير في المعلمين الأوائل بالمدارس الابتدائية. مثل هذه التجاوزات لا يمكن اعتبارها تجاوزات إدارية. فقضية التسرب لها أسباب لا بد من التحقيق فيها ودراستها. ليس المهم فقط الخسارة المادية من التسرب والتي بلغت 20 مليون دينار، ولكن الخسارة هي إضعاف قدرة البحرين في تهيئة كوادر لسوق العمل وللتنمية بشكل عام. ناهيك عن الإحباط العائلي في فقدان الشباب مستقبلهم الدراسي، وهذا الإحباط يبرز أكثر عندما ترفض الجامعة في بعض الحالات متفوقين وتقبل راسبين كما ورد في التقرير. وزارة التربية مطالبة بإجراء تحقيق في ذلك ونشر النتائج بالإضافة إلى إجراء دراسات على عديد من المشاكل التي برزت في تقارير هيئة جودة التعليم والتدريب يضاف لها الآن ما أظهره ديوان الرقابة المالية والإدارية.

القضية الثالثة هي موضوع الدين العام الذي بلغ 12.4 مليار دينار إضافة إلى 1.5 مليار دين على إحدى المؤسسات الحكومية ما يجعل الدين العام يتجاوز حاجز الـ100% من الناتج المحلي. وكما قلنا في مناسبات سابقة المشكلة ليست في النسب ولكنها في قدرة اقتصاد لا يصدر إلا النفط والمنتجات المتعلقة به مثل الألمنيوم والبتروكيماويات على دفع هذه الديون وما يتضمنها من تبعات. يمثل ذلك تحديا كبيرا واستنزافا لميزانية البلد في دفع أرباح هذه الديون. فهل هذا تجاوز إداري أم أنه نتاج الخطط المتبعة وبالتالي فإن المسؤولية عن ذلك تتطلب المساءلة. 

هذه القضايا الثلاث هي عينات من قضايا أخرى قد ترقى إلى المساءلة النيابية والمجتمعية والمطلوب من المجلس النيابي أولا: استخدام ما لديه من أدوات لتفعيل أدوات المساءلة، ثانيا: دراسة اللائحة الداخلية والمواد الدستورية لتقديم مقترحات تقوي من هذه المساءلة. وأهم هذه الأدوات التي تستخدمها الدول المتقدمة التي تتمتع بمستوى عالٍ من الأداء والكفاءة هي الصحافة الاستقصائية وقانون حق الحصول على المعلومات وقانون الأداء ووجود هيئة مستقلة لمكافحة الفساد. فعدم توفر هذه الأدوات لدينا بالإضافة إلى ضعف بعض مواد اللائحة الداخلية يضعف القدرة على الحد من المخالفات بأنواعها.

mkuwaiti@batelco.com.bh 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news