العدد : ١٥٢٠٨ - الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٠٨ - الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

العراق ولبنان.. ثورة ضد الطائفية

بقلم: د. نبيل العسومي

الثلاثاء ٠٥ نوفمبر ٢٠١٩ - 03:00

أظهرت الثورة الشعبية العارمة في العراق الشقيق أن النظام السياسي الذي تم إرساؤه بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003 ورعته وعززت أركانه الجمهوريةُ الإسلامية الإيرانية، قد استنفد محتواه وطاقته ووصل إلى طريق مسدود ولم يعد بإمكانه أن يستجيب إلى حاجات وطموحات الشعب العراقي في الحياة الكريمة وفي الحرية والسيادة الوطنية والاستقلال الحقيقي الكامل.

كما أظهرت هذه الانتفاضة التي مضى عليها أكثر من شهر حجم الدموية والعنف الذي مُورس على المتظاهرين وخاصة الشباب منهم إذ تجاوز عدد القتلى 250 قتيلا وعدد الجرحى بالآلاف المؤلفة وشهدنا بشكل واضح كيف تدخلت عناصر ومليشيات مدعومة من إيران في محاولات يائسة لمنع المتظاهرين من التعبير عن رفضهم للمؤسسة السياسية الفاشلة بأكملها من دون استثناء.

كما أظهرت هذه الانتفاضة التي شملت أغلب المناطق والمدن والمحافظات العراقية أمرين لافتين للانتباه ولا يمكن لأي متابع مهما كان موقعه السياسي والآيديولوجي تجاهلهما.

الأول أن هذه الثورة الشعبية قد جاءت بعد مرور 16 عاما من الصبر والتحمل والوعود وراء الوعود والانتخابات وراء الانتخابات والبرلمانات وراء البرلمانات فأدى ذلك إلى الوصول إلى محطة اليأس الكامل التي بلغها أبناء العراق خاصة من الجيل الجديد الذي نشأ ونما في ظل هذه المنظومة السياسية التي ثبت فشلها الذريع فالذين يتظاهرون اليوم في عام 2019 وأعمارهم تتراوح بين 16 سنة و30 سنة في الغالب قد كانوا في عام 2003 أطفالا صغارا لم يعيشوا يوما واحدا من الأيام السعيدة فلا كهرباء ولا ماء ولا أرصفة ولا خدمات صحية ولا وظائف، ما جعل الأغلبية العظمى من هؤلاء الشباب يائسين ليس لديهم ما يخسرونه حتى وإن دفعوا أعمارهم مقابل ذلك. وهو ما يفسر استدامة هذه المظاهرات واستماتة المتظاهرين في هذه المظاهرات وعدم العودة قبل تحقيق أهدافهم كاملة وهذا ما يضع النظام السياسي برمته في أزمة حقيقية بل وفي مأزق فهو يدعي بأنه نظام ديمقراطي ودستوري وأنه جاء من خلال صناديق الاقتراع ولكنه في الحقيقة هو مجرد تركيبة للمحاصصة الطائفية كما يقول المتظاهرون أنفسهم والعديد من المفكرين والمتابعين من العراقيين لهذا الوضع.

الأمر الثاني أن هذه الانتفاضة تأخذ طابعا معاديا لإيران وللهيمنة الإيرانية على الحياة السياسية العراقية منذ عام 2003 وإلى اليوم حيث كان واضحا من خلال الشعارات المرفوعة مثل «بغداد حرة حرة وإيران بره بره» أو من خلال حرق وإزاحة صور الخامنئي بل وحتى من خلال بعض التصريحات الصادرة من المرجعيات العراقية لأن التدخل الإيراني في الحياة العراقية قد وصل حده وتجاوز حده ولم يعد محتملا خاصة بعد تصريحات خامنئي قبل عدة أيام بوصف هذه المظاهرات الشعبية بكونها عميلة لأمريكا وإسرائيل ما أظهر موجة من الاستنكار من كل فئات الشعب العراقي وخاصة الشباب منهم، الذين ملوا من تدخلات إيران عبر وكلائها وعملائها ومليشياتها التي تأتمر بأمر الخامنئي ولا يعنيها أحد لا من قريب ولا من بعيد ولا تعنيها رغبات وتطلعات أبناء الشعب العراقي الشقيق.

إن مشكلة العراق شبيهة إلى حد بعيد بمشكلة لبنان فبرغم  الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي هي في الأساس وراء هذه الثورة الشعبية، فإن التدخل الإيراني في حياة هذين البلدين العربيين الشقيقين بشكل مباشر وفج ومستفز عبر وكلاء واضحين ومعلنين يرفعون أعلاما إيرانية وشعارات إيرانية ويدينون بالولاء المباشر لإيران ولا يهتمون بأي شكل من الأشكال بمصالح الشعبين العراقي واللبناني. ففي العراق قاسم سليماني يتحرك داخل الأراضي العراقية وكأنها ولاية أو محافظة من محافظات إيران ويوجه ويقرر ويتدخل في كل شيء تقريبا بما في ذلك تعيين الوزراء ودعم المليشيات وغيرها بالسلاح والتدريب بحيث تكون تحت إمرته في أي وقت كما تحصل على الدعم من إيران والتوجيه من إيران كما بات معلوما لدى القاصي والداني ولا تنفع هنا أو تفيد تلك التبريرات والردود التي لا يصدقها أبناء الشعب العراقي فما بالك الناس خارج العراق.

أما في لبنان فإن السيد حسن نصرالله الذي يتزعم مليشيات إرهابية فإنه فعل بالضبط مثل ما فعل خامنئي إذ وصف المتظاهرين في لبنان بأنهم عملاء وتمولهم السفارات ولا يعبرون عن ضمير الشعب اللبناني بل تجاوز ذلك إلى التهديد والوعيد بشكل غير مباشر عندما قال إن حزب الله لم يستخدم أدواته إلى الآن وعندما هدد الحكومة بأنها سوف تحاكم في حال استقالتها فهو يتصرف وكأنه الدولة والأدهى والأمر من ذلك أنه أكد أنه إذا استمرت المظاهرات فسوف تصل الدولة إلى عدم القدرة على دفع الرواتب ولكن المقاومة ليس لديها أي مشكلة ولن تتأثر وهذا يعني أن رواتب ما يسمى بالمقاومة مضمونة من خلال الميزانية التي ترد إلى الجنوب من إيران.

ومن الواضح أن الشعب العراقي والشعب اللبناني قد ملا بشكل كامل من هذه البنية الطائفية وهذه اللعبة وهذه اللغة التي تستخدم منطقا طائفيا مليشياويا على حساب حرية وكرامة وحقوق المواطنين، ومن هذا المنطلق نعتقد أن الثورة في كل من العراق ولبنان بالإضافة إلى كونها شعبية ضد الفقر والبطالة والتدهور المعيشي وضعف الخدمات المقدمة للمواطنين فهي في نفس الوقت ثورة ضد إيران وعملاء إيران والهيمنة الإيرانية باستثناء حزب الله والمليشيات العراقية التابعة لإيران لأنها بكل بساطة تحصل على رواتبها وأسلحتها ودعمها الكامل من إيران.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news