العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

هل تتغير صورة لبنان؟

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ٠٥ نوفمبر ٢٠١٩ - 03:00

في سنة 2012 كتبت مقالا مطولا عن لبنان وهو لايزال يعكس حقيقة الواقع في بلد الأرز. لقد أنهيته بمقولة مفضلة عندي وهي مأثورة عن الأديب الفذ جبران خليل جبران الذي قال: «لكم لبنانكم ولي لبناني».

أقتطف لكم اليوم بعض ما كتبت في ذلك المقال الذي كتبته في شهر يوليو من سنة 2012 ثم أعلق على التطورات الجارية الآن في لبنان. 

إليكم أول هذه المقتطفات:

«في ظل انفجار الأوضاع في سوريا المجاورة وتصاعد التوترات مع إيران والتهديدات التي تطلقها إسرائيل باستمرار يبدو لبنان اليوم على حافة الصراع. في الحقيقة كانت هذه قصة لبنان مع الصراعات على مدى عقود من الزمن. فهذا البلد الجميل، الذي حبته الطبيعة بمناظر خلابة والذي يمتاز بشعب رائع، كان دائما ضحية التاريخ وضحية قادته السياسيين وضحية المناورات الخارجية. قد يكون هذا هو ماضي لبنان وحاضره لكن إذا ما أصغينا إلى الشعب اللبناني فإننا سندرك أن هذا الشعب لا يريد أن يكون مستقبل بلاده مثل حاضرها وماضيها».

«كان الفرنسيون هم الذين صنعوا لبنان وبنوا فسيفسائه وأرسوا نظام الحكم الطائفي في البلاد بالشكل الذي يخدم المصالح الإمبريالية للدولة الاستعمارية الفرنسية. خلال الأعوام الثمانين الماضية، ظل النظام الطائفي الحاكم يتحرك ضمن هذا الإطار الذي فرضه الفرنسيون على لبنان كما ظلت النخب الطائفية تتمسك بهذا النظام من أجل خدمة مصالحها والبحث عن الامتيازات، مع طلب مساعدة الشركاء الخارجيين من أجل إسنادها وتقوية مواقفها. لكن في أغلب الأحيان يكون لهؤلاء «الشركاء» الأجانب أيضا مصالحهم الخاصة وحساباتهم التي يريدون تصفيتها مع خصومهم. نتيجة لذلك تحول لبنان مرارا وتكرارا إلى ساحة للمعارك وتصفية الحسابات حيث تصطدم الطوائف وتتصارع القوى الخارجية على النفوذ على الساحة اللبنانية». 

«لايزال الوضع في لبنان على هذه الحالة حتى اليوم دون أن يطرأ أي تغيير أو تبديل. قبل جيلين من الآن كان لبنان في ظل الحرب الباردة عبارة عن ساحة للمعارك وتصفية الحسابات ما بين الشرق والغرب. أما اليوم فإن لبنان ساحة للمواجهة ما بين الغرب وحلفائه من جهة وإيران والأطراف التي تدور في فلك طهران من جهة أخرى، فيما يظل مصير لبنان الهش معلقا ويظل أمنه واستقراره ورخاؤه الاقتصادي عرضة للخطر والتهديد». 

«قد يستهين البعض بالأمر ويقولون بكل بساطة «هذا هو لبنان» أو يوجهون أصابع الاتهام إلى فرقاء الحرب والعصابات المسلحة ويقولون «هذا ما تسببوا به لأنفسهم»، لكن لا يجب أن يظل لبنان رهينة لهذه الأوضاع التي تتكرر على مر السنين والعقود. إذا ما أصغينا للشعب اللبناني فإنه يمكننا أن نتصور بلدا مختلفا كل الاختلاف، يبنى على أساس الهوية الجامعة ووحدة المغزى والهدف». 

«لقد علمتنا استطلاعات الرأي أكثر ما علمتنا أن الشعوب تعرف دائما أكثر مما يعرف رجال السياسة الذي يتولون قيادتهم. من هذا المنطلق، الشعب اللبناني له اليوم الكثير مما يريد أن يقوله وهو شعب جدير بأن نصغي إلى ما يقوله». 

«هنا بكل تأكيد بعض القضايا والمسائل التي تبث الانقسامات ما بين اللبنانيين. فعلى سبيل المثال أظهرت نتائج استطلاعين للرأي أجريا مؤخرا تباينا كبيرا في المواقف بشأن سوريا وإيران... في كل الأحوال، نجد أن مواقف مختلف الجماعات اللبنانية تعكس مواقف قادتها غير أنها تمثل مجرد جزء من حقيقة ما يفكر به اللبنانيون وما يحملونه من قناعات ومواقف. هناك بالمقابل توافق داخلي كبير في المواقف بشأن أغلب المسائل المطروحة – لذلك فإنه سيكون من باب الحكمة لو يركز القادة السياسيون وبقية أبناء الشعب اللبناني أولا وقبل كل شيء على المسائل والسياسات التي تجمع ما بين اللبنانيين وينأوا عن تلك القضايا التي تفرق ما بينهم وتبث الانقسامات في صفوفهم. 

«يمكن للبنانيين أن يجدوا قواسم مشتركة كثيرة يقفون عندها. فهم يجمعون على أن الأوضاع السائدة في البلاد سيئة وأنه لا بد من التركيز على بعض الأولويات السياسية الجوهرية كما أنهم يجمعون على أهمية الهوية والوحدة الوطنية وضرورة القيام بالإصلاحات الجوهرية وتفعيلها على أرض الواقع».

«على سبيل المثال سئل اللبنانيون عما إذا كانوا يعتبرون أن أوضاعهم قد أصبحت أفضل أو أسوأ مما كانت عليه قبل خمس سنوات من الآن فأجمعوا على أن الأوضاع في لبنان قد أصبحت أكثر سوءا. عندما سئلوا عما إذا كانت بلادهم تسير في الاتجاه الصحيح أو الخطأ أجمعوا على أنها تسير في الاتجاه الخطأ. عندما طلب من اللبنانيين أن يحددوا أهم القضايا السياسية التي تشغل بالهم أبدوا مرة أخرى تطابقا رائعا في الآراء والمواقف. فقد قال كل اللبنانيين بمختلف مشاربهم أن مسألة خلق فرص العمل تحتل صدارة اهتماماتهم، ثم تأتي مسألة محاربة المحسوبية والفساد، تعقبها مسألة الإصلاح السياسي ثم حماية الحريات الشخصية والحقوق المدنية». 

«من اللافت أيضا أنه عندما سألنا اللبنانيين عما يعتبرونه مصدرا لهويتهم لم يذكروا الدين أو الطائفة أو العائلة أو «جذورهم العربية» بل إنهم أجمعوا على أنهم يستمدون هويتهم الوطنية أساسا من لبنانيتهم...». 

«عندما سألنا اللبنانيين عما إذا كانوا يفضلون الإبقاء على نظام المحاصصة الطائفية كأساس للنظام السياسي الحاكم والموروث عن الماضي أو استبداله على أساس «صوت واحد لكل ناخب» عبر أغلب الذين استطلعنا آراءهم عن تفضيلهم للصيغة الثانية. أجمعوا أيضا على أن الوحدة الوطنية مسألة ضرورية للبلاد ورفضوا أي هيمنة لهذا الطرف على بقية الأطراف الأخرى المكونة للشعب اللبناني». 

«قبل قرابة قرن من الآن كتب الشاعر اللبناني العالمي الفذ جبران خليل جبران قطعة رائعة عنوانها «لكم لبنانكم ولي لبناني» وقد رسم صورة للبنان قارن فيها ما بين النخب التي تتصارع على كراسي الحكم وتنهب موارد البلاد والمتقوقعة حول نفسها من ناحية وعامة الشعب الذين يتنفسون هوى لبنان قلبا وقالبا. لقد أصاب الشاعر في رسم تلك الصورة التي لا تزال تنطبق حتى اليوم على الوضع في لبنان وتعري حقيقة نخبه. يجب على قادة لبنان وأولئك الذين يهتمون بمستقبل البلاد أن يستوعبوا الدرس ويصغوا للشعب اللبناني ويسهموا في إنقاذ البلاد من السقوط في الهاوية قبل فوات الأوان». 

كانت تلك مقتطفات مما كنت قد كتبته قبل سبع سنوات من الآن.

شهد لبنان على مدى الأسبوعين الماضيين مواجهة درامية مع خروج المظاهرات العارمة التي تطالب بوضع حد للنظام السياسي البائد الذي يحكم البلاد. لم يعد المتظاهرون يريدون أن تظل السلالات الإقطاعية التي تنهب البلاد تحكمهم كما أنهم يرفضون أن يظلوا رهينة للمليشيات المسلحة والتي تطلق التهديدات من أجل حماية مواقعها ومصالحها في صلب هذا النظام المفكك. لقد رفع المتظاهرون شعارا بسيطا لكنه عميق في دلالاته ومعانيه: «كلهم يعني كلهم». 

شارك في المسيرات الحاشدة متظاهرون من مختلف الطوائف كما أنهم عمدوا لإقامة سلسلة بشرية من شمال البلاد إلى جنوبها على طول 120 ميلا في حركة إبداعية إضافة إلى المظاهرات الضخمة التي شارك فيها في أوجها مليون ونصف المليون شخص خرجوا جميعا إلى الشوارع، وهو ما يمثل ثلث السكان في لبنان. 

لماذا يتظاهر اللبنانيون؟ 

لقد أظهرت آخر استطلاعات الرأي التي أجريناها أن الرأي العام اللبناني موحد كما أنه سئم الأوضاع الحالية وهو ما أفرز توافقا أكبر مما كان عليه الوضع قبل أكثر من سبعة أعوام من الآن. أصبح اللبنانيون اليوم بمختلف مشاربهم أكثر سخطا على الدولة والأوضاع الاقتصادية السيئة كما أنهم أصبحوا أكثر تشاؤما فيما يتعلق بمستقبل البلاد. 

على غرار ما كان عليه الوضع قبل سبع سنوات من الآن راح المتظاهرون يرفعون شعارات يطالبون فيها بخلق فرص العمل وهي المسألة التي تتصدر كل أولوياتهم غير أنهم لا يثقون في قدرة هذه المؤسسات الحاكمة في الوقت الراهن على تحقيق مطالبهم. ازدادت المخاوف أيضا من التدخل الإيراني في الشؤون اللبنانية. لا تزال مختلف المكونات اللبنانية تكن العداء لإسرائيل وهو يذكرون احتلالها على مدى أعوام للجنوب اللبناني وقصفها المدمر والمتكرر للبلاد. يبدي اللبنانيون تخوفهم من عدم قدرة البلاد على معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن استمرار وجود أكثر من مليون لاجئ سوري. 

في ظل الشعور بخيبة الآمال وعمق المرارة وعدم الرضا عن الأوضاع الراهنة لم يكن اندلاع تلك المظاهرات الحاشدة بالأمر المفاجئ – بما في ذلك لتلك النخبة السياسية الفاسدة والمهترئة. فلو أصغوا إلى ما كان يقوله لهم الشعب اللبناني لما انتهى بهم الأمر إلى هذا الوضع الراهن. 

ردا على المظاهرات المتصاعدة قدمت الحكومة اللبنانية أخيرا استقالتها رغم التهديدات التي أطلقها حزب الله. سيظل لبنان يواجه تحديات كبيرة إذا لم تتم مطالب المتظاهرين. فالاكتفاء باستبدال الحكومة القائمة على المحاصصة الطائفية والعائلات السياسية لن يحقق التغيير المنشود، كما أن الانتخابات القائمة على نفس هذا النظام العقيم لن تأتي بأي شيء جديد.

إن لبنان في حاجة اليوم إلى تحول ديمقراطي حقيقي – هذا ما يريده الشعب اللبناني بالدرجة الأولى. يمكن البدء بالعودة إلى تطبيق الدستور الذي كان قائما في لبنان سنة 1926 والذي يدعو إلى الانتخابات على أساس صوت واحد لكل ناخب، على أساس غير طائفي في غرفة البرلمان السفلى، مع مراعاة مبدأ التمثيل الطائفي في الغرفة العليا لكن بصلاحيات محدودة. قد تتمكن البلاد عبر هذا الدستور من الوصول إلى حكومة منتخبة تضع البلاد وكل أبناء شعبها أولا. 

لن يتحقق مثل هذا التغيير سريعا في لبنان كما أن النخب القديمة لن تتخلى بسهولة عن امتيازاتها الواسعة. إذا كان المتظاهرون يريدون الوصول إلى النقطة التي يتطلعون إليها فلا بد لهم من قيادة قوية ومنظمة تمثلهم وتحشد طاقاتهم وتضع الخطوات التكتيكية الجديدة من أجل حماية المظاهرات ومن ثم بلورة برنامج شامل للتغيير. 

لن يكون الأمر سهلا لكن ما شهدته في الأسابيع القليلة الماضية فإنني لن أجد من خيار آخر سوى الاستماع إلى صوت الشعب اللبناني ولن أراهن ضد خيارات وطلبات الشعب اللبناني. آمل أن يصغوا إلى الشعب اللبناني من أجل مستقبل لبنان. 

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news