العدد : ١٥٢٠٨ - الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٠٨ - الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

رؤية دبلوماسية من واشنطن لحرب أكتوبر 1973

بقلم: د. يحيى عبدالقادر

الاثنين ٠٤ نوفمبر ٢٠١٩ - 03:00

في مساء الأربعاء الموافق 30 أكتوبر 2019 وعلى ضفاف النيل الخالد إذ تقع مكتبة مصر العامة في محافظة الجيزة قام السفير عبدالرؤوف الريدي، بتقديم أمسية رائعة حول معركة السويس الخالدة التي جرت وقائعها يوم 24 أكتوبر 1973. ولقد أصبح ذلك التاريخ هو العيد الرسمي لمحافظة السويس الصامدة. في ذلك المساء التف حشدٌ من أعضاء المجلس المصري للشؤون الخارجية والأدباء والكتاب والشعراء ورجال الإعلام في القاعة الرئيسية بالمكتبة للتمتع بحديث السياسي المحنك والأديب متعدد المواهب السفير الريدي الذي شغل منصب سفير مصر لدى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية خلال أعوام (1984 - 1992) إذ روى بعضا من ذكرياته عن حرب أكتوبر في ضوء تجربته الدبلوماسية في واشنطن ونيويورك.

انطلق الريدي يسرد وقائع حرب أكتوبر المجيدة والتي كانت بمثابة الرد المباشر على هزيمة يونيو عام 1967 والتي كان يعمل خلالها في بعثة الوفد المصري الدائم لدى هيئة الأمم المتحدة بمدينة نيويورك. لقد ذكر الحوار الذي دار بين وزير الخارجية آنذاك الدبلوماسي المحنك محمود رياض ومندوب مصر لدى الجمعية العامة للأمم المتحدة السفير الراحل محمد عوض القوني وذلك خلال انعقاد مجلس الأمن وصدور قرار 242 الذي يعد المرجعية القانونية في نزاع حرب الأيام الستة.

أسهب الريدي في الحديث عن دبلوماسية ودهاء الزعيم الراحل أنور السادات إذ كان يستدعي السفير السوفيتي للتشاور بينما يطلب من مستشاره للأمن القومي السيد حافظ إسماعيل أن يتواصل مع وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسينجر والإدارة الأمريكية في البيت الأبيض بواشنطون. كانت حرب أكتوبر مأساة مروعة بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي الذي مني بخسائر فادحة في الأفراد والعتاد كما هو مدون في سجلات ووقائع الحرب التي كانت من أشرس المعارك التي اندلعت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم. كانت ملحمة ضارية إذ كان على مائة ألف جندي مصري عبور خط «بارليف» الحصين الذي صورته وسائل الإعلام والدعاية على أنه حصن لا يقهر وأن اجتيازه أقرب إلى المستحيل.

كانت معركة خالدة شهدت تضامن العالم العربي مع مصر حيث مدت المملكة العربية السعودية مصر بالنفط إلى جانب الدعم المادي لمواجهة نفقات التسليح العسكري باهظة الثمن. وكذلك برز الدور التاريخي للجزائر الشقيقة والرئيس الراحل هواري بومدين ودولة الكويت والأردن وسوريا التي خاضت معركة التحرير إلى جانب قوات الجيش المصري الباسل. كانت مفاجأة حرب أكتوبر ضربة قاصمة لغرور وخيلاء العدو الذي سعد بوصف هنري كيسينجر للموقف العسكري على ضفتي قناة السويس على أنها «قضية ميتة كجثة هامدة» وذلك عندما أعرب الرئيس السادات عن رغبته في حل القضية عبر التفاوض السلمي دون اللجوء إلى النزاع المسلح، وهو وضع يجعل الموقف في حالة جمود سياسي طبعا ويصب في مصلحة الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية، ولم يكن في حسبان كيسنجر أنه إذا اضطرت مصر ومعها العرب إلى خوض الحرب فإن إسرائيل يمكن أن تدفع ثمنا فادحا لذلك.

ومن هنا كان الجانب الأمريكي في عهد إدارة نيكسون - كيسنجر لا يبدي أي استعداد أو تجاوب مع محاولات الرئيس السادات لحل الصراع بالطرق السلمية قبل حرب أكتوبر 1973. وكانوا يرون أن موازين القوى كلها في صالح إسرائيل منذ نهاية عدوان 1967. فكان لا بد من القرار الاستراتيجي لمصر وسوريا بضرورة خوض الحرب، وقد تقدم الجيش المصري على جبهة قناة السويس بشكل مباغت ومذهل أصاب قادة إسرائيل بالصدمة، إلا أن رئيسة وزراء إسرائيل آنذاك جولدا مائير استنجدت بالبيت الأبيض إذ كان الرئيس الأمريكي في تلك الآونة هو ريتشارد نيكسون «1913 - 1994».

روى السفير الريدي كيف أنه في منتصف الثمانينيات عندما كان سفيرا لمصر في أمريكا، كان حريصا على ترتيب لقاء مع الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون الذي استقال بسبب فضيحة ووترجيت في أغسطس عام 1974. ولذلك كي يعرف منه مباشرة حقائق الموقف الأمريكي خلال الحرب، فلما تم الاتفاق على موعد اللقاء، غادر العاصمة واشنطن وانطلق إلى مدينة نيويورك بصحبة د. رشدي عبدالقادر الوزير المفوض التجاري في نيويورك للقاء الرئيس السابق نيكسون في مكتبه بمدينة نيويورك. وحكى لهما نيكسون كيف أن رئيسة وزراء إسرائيل جولدا مائير بكت على الهاتف معه بعد الهجوم المصري الكاسح الذي اجتاز قناة السويس وحطم خط بارليف، وطلبت أن تسافر إلى واشنطن حتى تلقاه لكنه رفض. فأطلعته على الخسائر التي منيت القوات الإسرائيلية بها من فقد 400 دبابة وعربة مدرعة خلال أيام معدودة إلى جانب 50 طائرة حربية بخلاف من سقطوا في ميدان المعركة من الجنود الصهاينة. وطلبت من نيكسون تزويدها بأحدث العتاد الحربي الأمريكي لتفادي هزيمة مذلة بإسرائيل قد تهدد وجودها ذاته، ونظرًا إلى ضيق الوقت طلب نيكسون من قوات حلف شمال الأطلنطي إمداد إسرائيل بالسلاح إلا أن الدول الأوروبية الأعضاء رفضت التدخل في الصراع الدائر.

حكى نيكسون بعد ذلك كيف أنه أقام جسرا جويا بين القواعد العسكرية الأمريكية وبين مطارات إسرائيل حيث كانت الدبابات والقذائف الحديثة تصل ميدان القتال مباشرة وتسهم في الصراع الدائر على كل الجبهات. حاولت القوات الإسرائيلية الاستيلاء على مدينة الإسماعيلية إلا أنها فشلت نتيجة المقاومة الباسلة التي واجهتها فتوجهت إلى حصار مدينة السويس ومحاولة اقتحامها. إلا أن الروح القتالية وعزيمة أبناء السويس الأبطال أوقفت المدرعات والدبابات وألحقت بها هزيمة قاسية أدت إلى تراجعها ودحرها.

يحكى السفير الريدي كيف أن الرئيس السادات وافق على وقف إطلاق النار في ضوء تدفق السلاح الأمريكي الحديث لمساندة قوات العدو والتي كانت متفوقة على الأسلحة التقليدية التي حقق بها الجيش المصري بطولات رائعة على كل جبهات القتال برا وبحرا وجوا. وهنا يعتز كل مصري وعربي بالموقف البطولي لأبناء مدينة السويس وشعبها العريق.

 يقول السفير الريدي: «نحن لا ننسى دماء أبناء السويس الشرفاء والشهداء الذين قدموا رمزا غاليا للتضحية والبطولة والفداء. فيجب على شعب مصر أن يقدم هدية رمزية لشعب السويس العظيم. وهنا فقد خصصت محافظة السويس قطعة أرض لإقامة مكتبة علمية ومعرفية حديثة بمدينة السويس لتلحق بركب مكتبات مصر العامة التي يبلغ عددها حاليا 17 مكتبة تغطى محافظات مصر».

ومبدئيا، فإن الميزانية التقديرية للمكتبة 40 مليون جنيه مصري وهو مبلغ زهيد لقاء بطولة وبسالة وشجاعة أبناء السويس الفرسان. أعتقد أن جمعيات المجتمع المدني والأحزاب المصرية يجب أن تتضافر وتلعب دورا حاسما في تشييد مكتبة السويس لتكون هدية مشرفة لمدينة خالدة دافعت دفاع الأبطال عن حرية وتراب مصر وشعبها الأصيل في أشرف المعارك التاريخية للأمة العربية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news