العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

تمرينات مواجهة الكوارث البيئية .. التحدي يفرض الاستجابة

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٠٤ نوفمبر ٢٠١٩ - 03:00

كثيرةٌ هي التداعيات التي يمكن أن تسفر عنها حالة التوتر الإقليمي الراهنة وخاصة في ظل ظهور مؤشرات تعكس إمكانية تكرار سيناريو حرب الناقلات خلال الحرب العراقية - الإيرانية مع بدء استهداف ناقلات النفط، إلا أن الأهم هو الكوارث البيئية التي يمكن أن تسفر عن حالة تسرب نفطي من إحدى شاحنات النفط، ولنا في التاريخ أمثلةٌ مهمة ومنها تسرب ملايين البراميل من النفط إبان الحرب المشار إليها آنفا، بالإضافة إلى الكارثة البيئية التي شهدتها مياه الخليج العربي خلال حرب تحرير دولة الكويت عام 1991 عندما قام النظام العراقي السابق بسكب نفط دولة الكويت في مياه الخليج والتي قدرت بحوالي 11 مليون برميل، فضلا عن إحراق تلك الآبار، وحديثًا أشارت المصادر إلى تعرض ناقلة نفط إيرانية لكسر في مقدمة الناقلة الأمر الذي نتج عنه تسرب نفطي في البحر الأحمر من شحنة وخزانات الناقلة قرب ميناء جدة السعودي.

وجميعها مؤشرات تعكس المخاطر التي يمكن أن تسفر عنها حالة التوتر الراهنة بما يستدعي معه أخذ الحيطة والحذر ليس فقط من خلال إجراءات احترازية بل من خلال آليات عملية للتعامل مع مثل هذه الكوارث والتي - كما أشرت إلى ذلك في مقالات سابقة - لا تكون لها مقدمات على عكس الأزمة التي يكون لها مقدمات ويمكن التعامل معها، وهنا ينبغي التوقف أمام الإجراءات التي اتخذتها مملكة البحرين وتعكس إدراكًا مبكرًا لهذه التداعيات والتعامل معها من خلال أمرين الأول: تنظيم المجلس الأعلى للبيئة بالتعاون مع اللجنة الوطنية لمواجهة الكوارث والجهات المعنية بمملكة البحرين التمرين الوطني الثاني لمكافحة الانسكابات النفطية، والذي تضمن محاكاة عملية لحادث انسكاب نفطي من إحدى ناقلات النفط، والثاني: تدشين مركز بابكو للقيادة والمخصص للتعامل مع حالات الطوارئ والكوارث في المجال النفطي.

وقد استرعى انتباهي أمران مهمان الأول: أن تلك التمرينات هي جزء من تنسيق وتعاون بين مملكة البحرين ودول الخليج ضمن الإجراءات الاحترازية لمواجهة احتمال من هذا النوع، والثاني: أن تلك الإجراءات ليست ذات طابع نمطي وإنما هي تمرينات محاكاة والتي بدأت العديد من الكليات الدفاعية في العالم الاهتمام بها بالفعل خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع التسليم بأن تلك التمرينات التي تقوم بها المؤسسات المعنية في مملكة البحرين تعكس الاستجابة الواعية للتعامل مع أي كوارث مستقبلية فإن المخاطر المحتملة تجعل من الاهتمام بتلك التمرينات ضرورة استراتيجية في ضوء ثلاثة اعتبارات الأول: أنه في ظل ديمومة حالة التوتر الإقليمي الراهنة فإن ذلك سوف يعزز من تنامي ما يعرف بالحروب غير المتكافئة والتي تستخدم فيها التكنولوجيا على نطاق واسع ومنها طائرات الدرون التي لا يكشفها الرادار وبالتالي فإن استهداف ناقلات نفط أو منشآت نفطية يظل احتمالا قائمًا بما يتطلب معه إجراء ذلك التمرين في مدى زمني متقارب، والثاني: أن الأمر لا يرتبط فقط بناقلات النفط بل بالمنشآت النووية الإيرانية ومخاطرها والتي تفيد كل التقارير أنها لم تصمم بطريقة علمية، فضلا عن وقوعها في حزام الزلازل بما يعنيه ذلك من أن حالات التسرب الإشعاعي من تلك المنشآت تظل أمرًا محتملا على غرار ما حدث في مفاعل تشيرنوبل بأوكرانيا عام 1986. ويشير الخبراء إلى أن تلك التسريبات يمكن بلوغها الأراضي الكويتية في أقل من 15 ساعة فقط، وتكمن الخطورة في أن مياه الخليج تسير عكس عقارب الساعة ومع سرعة الرياح فإن ذلك من شأنه المساعدة في انتشار تلك الإشعاعات بشكل أسرع مما هو متوقع بما ينتج عنه تلوث هائل للمياه والثروات الطبيعية وخاصة أن ذلك النوع من التلوث يعد أخطر أنواع التلوث على الإطلاق إذ إنه لا يرى ولا يشم ولا رائحة له ويصيب كل الكائنات الحية في مدى زمني سريع للغاية، والثالث: الرؤية الاستراتيجية الأشمل على المستوى الإقليمي من حيث إمكانية تعطيل الملاحة في أحد المضائق المائية سواء باب المندب أو هرمز وتأثير ذلك على المصالح الحيوية لدول الخليج بما يعنيه ذلك من حتمية وجود خطط للتعامل مع احتمال من هذا النوع ليس أقلها طرق النفط البديلة والتي أنشأتها دول الخليج بالفعل.

ومع أهمية تلك الإجراءات ينبغي على دول الخليج جميعًا المضي قدمًا في الاهتمام بمجال إدارة الأزمات والكوارث عمومًا والذي أضحى محل اهتمام كل دول العالم، صحيح أن كل دول الخليج بها تقريبًا لجان وطنية لإدارة الأزمات والكوارث والتي تنسق مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلا أن ثمة مقترحات أخرى تعزز من هذا التوجه أولها: الاهتمام بتضمين المناهج الدراسية التي تقدمها الأكاديميات الأمنية في دول الخليج تجارب عملية، إذ لوحظ بدء بعض من تلك الأكاديميات إدخال مناهج إدارة الأزمات، والبعض الآخر حرص على إصدار دوريات علمية متخصصة في الأزمات والكوارث إلا أن ذلك ليس كافيًا بحد ذاته إذ إن الظروف الراهنة لا تتطلب التركيز على المستوى النظري فحسب بل إن هناك حاجة لدراسة كوارث شهدتها دول أخرى وبحث كيفية الاستفادة منها ولعل أهمها كارثتان الأولى هي حادثة مصنع المبيدات «بوبال» لشركة يونيون كاربايد في الهند عام 1984 والذي أسفر عن تعرض أكثر من نصف مليون شخص لتسرب الغاز وتراوحت الضحايا بين قتلى وجرحي وحالات اختناق إذ لوحظ أن السبب الرئيسي لم يكن فقط العطل الفني بل عدم قدرة العمال الفنيين على اكتشاف مصدر الخطأ، بل إنه مما ضاعف من الخسائر عدم قدرة الأطباء المعالجين على معرفة سبب حالات الاختناق وهي تجربة جديرة بالدراسة والبحث، أما الثانية فهي التسربات الإشعاعية من المفاعلات النووية اليابانية عام 2011 والتي جاءت نتيجة كل من الزلازل والتسونامي آنذاك وعكست تلاحمًا بين الجهود الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني في مواجهة تداعيات تلك الكارثة.

وثانيها: إن العامل الأهم في سياق التعامل مع الأزمات والكوارث هو العنصر البشري وبالتالي من المهم للغاية التركيز على إلحاق أفراد القوات الأمنية بدورات تدريبية متخصصة في إدارة الأزمات والكوارث والتي تجريها بعض الكليات المتخصصة في ذلك وخاصة في الدول الغربية.

وثالثها: إنه مع أهمية الجهود الحكومية فإن منظمات المجتمع المدني يجب أن تكون شريكًا مهمًا في الاستعداد للتعامل مع الأزمات والكوارث وهو ما اتضح من دور تلك المنظمات خلال أزمة التسرب النووي في اليابان والمشار إليها إذ لوحظ على سبيل المثال حرص تلك المنظمات على تسهيل انتظام الدراسة في المدارس على عكس ما يتم اتخاذه في هذا الشأن في دول أخرى في مثل هذه الحالات. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

 بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news