العدد : ١٥٢٣٧ - الأربعاء ١١ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٧ - الأربعاء ١١ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

ثورة الوعي العراقي والبحث عن الوطن!

‭{‬ كثيرةٌ هي الصور المؤلمة والمثيرة للشجن، التي حملتها الثورة العراقية منذ بداية الشهر الماضي، خاصة مع تتابعها في ظل القمع الوحشي ورصاص القنَّاصين، ودخول «قاسم سليماني» سواء بعناصر من «الحرس الثوري الإيراني» أو بعناصر من «المليشيات» التي تخلَّت عن هويتها العراقية، لتصبح أدوات إيرانية مباشرة، لقمع المتظاهرين بدموية ووحشية. في ظل ذلك كان هناك صورة أخرى لهؤلاء الثوار في البصرة، مثيرة لكثير من الشجن ليس فقط لهم، وإنما لكل من يدرك حجم المأساة العراقية الميلودرامية، منذ 2003 وحتى هذه اللحظة، وبعد أن سلَّم الاحتلال الأمريكي العراق لـ(الذهنية الإيرانية الدموية) ولسطوتها وإذلال شعبها فإذا بصورة الشباب العراقي في البصرة يتفاعل بحرقة كبيرة مع النشيد الوطني العراقي، وتمتزج دموعه بمغزى الكلمات المؤثرة (موطني موطني... الجلال والجمال والسناء والبهاء في رباك في رباك... والحياة والنجاة والهناء والرجاء في هواك في هواك... هل أراك سالمًا منعما غانما مكرمًا هل أراك!.. إلخ) ولكأنه بكاء القلوب التائهة عن الوطن الذي ضاع بين أقدام الجحافل الإيرانية وعملائها، وكأنها الصحوة على مغزى الوطن، واستيقاظ الحس الوطني، الذي أصاب «ملالي طهران» بالفزع، وهو لا يتصور أن يفلت «الوعي العراقي الشيعي» من أكاذيبه واستغلاله له، لتوسيع مشروعه الاحتلالي على دمار العراق وطنًا وشعبًا وحياة!

‭{‬ في هذه الثورة التي تحدث بهذا الإطار من «الوعي الشيعي» منذ سقوط بغداد ومنذ زمن طويل سابق، الوطن وحده هذه المرة ولا شيء غيره، هو الذي حرك «الوجدان الوطني العميق»، وحرك دموع الشيعة الشباب على ضياع بلد الحضارات الأولى، ولتسقط كل تابوهات الطائفية وهندسة المحاصصة، وتسقط معها كل «المنظومة السياسية» الخربة والفاسدة، في الوعي الشيعي، وهذا هو اللافت، انتظارا لسقوطها على أرض الواقع! مع إصرار كل أطياف وطوائف الشعب، على مواصلة الثورة حتى تحقيق «نقلة سياسية حقيقية» بعيدًا عن كل العفن السياسي والطائفي والفساد الذي أعاد العراق إلى الوراء قرونا، وجعل العراقيين في أسوأ حالة رغم الثروات! 

هذا الشجن الوطني خرج من رحم القهر والجوع والذل، وولَّده الوعي الشبابي الجديد، الذي أطاح بكل الشعارات الفاسدة، ولذلك رفع العلم العراقي وحده، وبكى على النشيد الوطني العراقي وحده بكاء مرًا، وعانق به «جندي عراقي»» المتظاهرين، وتكاتف الشعب بشيوخه ونسائه وأطفاله وشبابه، وبعشائره وكل أطيافه، لإنجاح رحلة الخروج من «النفق المظلم» الذي أدخلهم فيه المشروع الأمريكي والمشروع الإيراني، الحاقد تاريخيًا على العراق وعلى كل العرب!

‭{‬ معادلة جديدة يصنعها العراقيون اليوم وبها يقلبون الطاولة على المخطط الصهيوني وأدواته الإيرانية! إنه البحث عن الوطن الذي تمت سرقته وتدميره على يد الأمريكان والإيرانيين وصنيعتهما «داعش» و«الحشد الشيعي» و«الأحزاب» العميلة حتى النخاع لإيران، وبعد أن يأس الجميع من «الحالة العراقية» ها هي المعجزة تحدث، وها هو الدم العراقي الأصيل في عروبته ينتفض في النهاية، وها هو البكاء يشهق به الشباب في البصرة والمحافظات العراقية الأخرى، لأنه بكاء على وطن أضحى بلا سيادة ولا كرامة! بكاء على عراق كان الجمال والجلال والبهاء، فتحول هو وشعبه إلى حطام! لينعم بثرواته الأمريكيون والإيرانيون وغيرهم من الأجانب ومعهم طغمة عميلة فاسدة، دمروا العراق كما لم يفعل أحد طوال تاريخه!

‭{‬ بكاء على عراق الحضارة والعلم والتقدم الذي كان! وعلى بلد «حمورابي» الذي علَّم العالم كله القانون!.. بلاد سومر وبابل وآشور، قلعة العرب الأقوى والبوابة الشرقية التي كانت! بكاء القلب والعلم العراقي وحده هو ما يجفف شجن هذا القلب وانهمار العيون بالدمع، وهو العلم الذي رفرف وحده في كل الساحات العراقية، ليطِّهر القلوب من الطائفية والانقسام والأحقاد التي تم توظيفها للمشروع الإيراني! هو بكاء «شيعة العراق» وكل الشباب العراقي، بعد أن عمدوا ثورتهم بالدماء، بكاء موجع كنصل السكين، وكأن في لحظة ترديد «السلام الوطني العراقي»، عرف هذا الشباب، كما لم يعرف قط، معنى العراق ومعنى الوطن! ومعنى السيادة والكرامة والاستقلال، والمعنى الحقيقي لـ«المظلومية» والاضطهاد والقمع! بكاء من عرف المعنى المكثف للظلم «حين يضطهد «الشيعي السلطوي الشيعي الفقير» بعد أن اضطهد بقية المكونات العراقية! بكاء من عرف الأبعاد الواقعية لثورة الحسين، التي استغلها عبر القرون الطويلة، تجارُ المذهبية والفاسدين وسراق الوطن والمال العام، وبها غيبوا الوعي الشعبي، لينقلب على وطنه وعلى نفسه وعلى حياته، لمصلحة كل هؤلاء المتمصلحين ومنهم التابعون اليوم «لنظام الملالي» في طهران!

إنها الثورة التي تبحث عن الوطن وعن الحياة وعن السيادة والكرامة، ولذلك حتمًا ستنتصر في النهاية؛ لأنها انتصارها سنة الحياة!

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news