العدد : ١٥٢٧٥ - السبت ١٨ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٧٥ - السبت ١٨ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ جمادى الاول ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

المأزق التركي مع الشمال السوري

جاء الغزو التركي الجديد لشمال سوريا تنفيذًا لما دأب على إطلاقه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أن بلاده مصممةٌ على الذهاب ولو «منفردة» نحو إقامة «المنطقة الآمنة» داخل الأراضي السورية بعمق يتراوح بين ثلاثين وأربعين كيلومترا، يأتي هذا الغزو التركي «المفرد» على خلفية عدم التوصل إلى اتفاق أو توافق شامل وكامل مع الولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بوضع الجماعات الكردية السورية المقاتلة التي تحتضنها وتدربها وتمولها وتسلحها واشنطن بهدف استخدامها أوراقا عندما يحين موعد تقاسم الكعكة السورية، لكن أنقرة مصرة على اعتبار هذه الجماعات مجرد امتداد لحزب العمال الكردستاني التركي الذي تصنفه تركيا على أنه منظمة إرهابية. 

تركيا تساورها مخاوف جدية من إمكانية حدوث تطورات إيجابية تصب في خانة حقوق المواطنين السوريين الأكراد قد تنعكس على أوضاع الأكراد الأتراك الذين يقاومون سنوات طويلة من أجل الحفاظ على هويتهم الثقافية والعرقية خشية إذابتها في المجتمع التركي، كما حصل لهم مثلا في العراق إبان حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين حين نفذ عملية تذويب عرقي قوية بحق الأكراد عبر الدفع بالعراقيين العرب إلى المناطق الكردية في عملية تعريب كان من شأنها أن تُحدِث خلخلة عرقية كبيرة، مثل هذه المخاوف بقت عالقة في أذهان الأكراد في مختلف الدول التي ينتمون إليها، خاصة وأن هذه الدول تنتقص من حقوق المواطنة للأكراد.

لا أحد يقول إن تركيا تسلك في علاقاتها مع المواطنين الأكراد نفس الطريق الذي سلكه صدام حسين فيما يتعلق بعملية التذويب العرقي، ولكن في نفس الوقت فإن أنقرة مستمرة في النظر إلى الأكراد بعيون الشك والريبة وهي تتهمهم بالموالاة والتأييد لحزب العمال الكردستاني التركي وهو عدو أنقرة الأول، وهي هنا تستخدم الورقة الكردية السورية للحديث عن تهديد لأمنها الوطني وهذا «التهديد» يأتي من المناطق السورية الشمالية التي تسيطر عليها الفصائل الكردية المسلحة، وتتخذ أنقرة من هذه الحجة ذريعة لتنفيذ مخطط «المنطقة الآمنة» والذي لا يمكن تسميته سوى بالاحتلال الصريح لأراضي دولة مستقلة ذات سيادة.

لا أعتقد أن الساسة الأتراك يجهلون حقيقة أن احتلال أراضي دول الجوار يمكن أن يوفر لهم أي شكل من أشكال الأمن، سواء للمواطنين القاطنين في هذه الأراضي أو لأراضي وسكان الدولة المجاورة، أي دولة الاحتلال، أيا تكن التسمية والحجة التي تسعى من خلالها لتبرير مثل هذا العمل، وبالتالي فإن تسمية «الآمنة» لا تنطبق عمليا على المنطقة السورية التي تخطط تركيا بالتعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية لاحتلالها، وهي خطوة من شأنها أن تهدد وحدة وسيادة أراضي الجمهورية العربية السورية وتزيد الأزمة السورية تعقيدا.

لا أحد يجادل تركيا في حقها لحماية أمنها الوطني وسلامة مواطنيها وأراضيها، لكن أحدا لم يهدد الأمن التركي من داخل الأراضي السورية باستثناء الجماعات الإرهابية التي سهلت أنقرة أمامهم سبل التدفق إلى سوريا بهدف إسقاط الدولة السورية، فالجميع على علم واطلاع تامّين على الدور السلبي الذي تلعبه تركيا في الأزمة السورية والدعم الهائل والكبير الذي تقدمه إلى عديد من الجماعات المسلحة ومثلت في نفس الوقت نقطة العبور الرئيسية للأفراد والعتاد إلى هذه الجماعات، سواء كان هذا العتاد والقوة البشرية ممولة ومحتضنة من تركيا أو من غيرها، فدور تركيا حيوي في هذا الشأن.

قبل اندلاع الأزمة السورية في مارس من عام 2011 لم يكن هناك أي تهديد للأمن الوطني التركي ولم تطلق المناطق الكردية السورية طلقة واحدة في اتجاه الجانب التركي من الحدود، حتى عناصر حزب العمال الكردستاني التركي لم يكن لها وجود يذكر فوق الأراضي السورية خاصة بعد التوصل إلى اتفاق بشأن مثل هذا الوجود بين دمشق وأنقرة إبان رئاسة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في عام 1998 سمي بــ«اتفاقية أضنة» وهو في الواقع اتفاق أمني أدى إلى خروج زعيم حزب العمال الكردستاني التركي عبدالله أوجلان من سوريا، وبالتالي فإن الحدود التركية السورية آمنة ومؤمنة ولم يكن هناك أي تهديد للأمن الوطني التركي إلا بعد اندلاع الأزمة السورية، وهي الأزمة التي تتحمل تركيا قسطا كبيرا من وراء استمرارها وتطورها إلى هذه الدرجة من الخطورة.

فالأمن الذي تتحدث عنه أنقرة وتتخذ منه ذريعة لإقامة «المنطقة الآمنة» يحمل في طياته مخاوف جدية على سلامة ووحدة الأراضي السورية لأن إقامة مثل هذه المنطقة يعتبر بأي شكل من الأشكال عملية احتلال، فالأمن الذي تريده تركيا لا يمكن أن يتحقق بهذه الطريقة، فالأمن لا يخص تركيا فحسب، وإنما سوريا والسوريين أيضا، فليس هناك من سبيل لتأمين الحدود بين الدول، مهما يكن مستوى علاقاتها السياسية مع بعضها بعضا، سوى من خلال استقرار الدول نفسها، وهذا يعني أن تركيا مطالبة، كونها متضررة أمنيا من الأزمة السورية، بأن تسهم بجدية دون أطماع سياسية أو جيوسياسية خاصة، في وضع حد لحالة عدم الاستقرار في سوريا وأن تستعيد الدولة السورية سيطرتها التامة على كامل التراب الوطني للجمهورية العربية السورية، فمثل هذا يصب في مصلحة تركيا والمنطقة بشكل عام.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news