العدد : ١٥٢١٩ - السبت ٢٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٩ - السبت ٢٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

مقالات

سير الزمن: رحلتي الأولى إلى خارج الوطن وقصتي مع ربطة العنق (نكتاي)

بقلم: خليل بن محمد المريخي

الأحد ٠٣ نوفمبر ٢٠١٩ - 03:00

الزمن كان منتصف الخمسينيات من عام 1955 لا أخفي عليكم انه لم يخطر على بالي قط ان أسافر إلى خارج البحرين بل ولم أفكر في يوم ما في موضوع السفر والسياحة، والسبب هو انشغالي وانشغال الربع معي في أمور حياتنا اليومية وفي شؤونها وشجونها، منها أن تفكيري واهتمامي في ذلك الوقت كان منصبا في طلب العلم أو الدراسة في أي مكان سواء كان في معهد الدراسة للجواهري في القاهرة الذي التحقت به لمدة عامين أو معهد «برتش كنسل» في البحرين مع المرحوم بإذن الله عيسى الجامع والمرحوم بإذن الله الشيخ حسن الخليفة ثم التنقل إلى مدرسة التاجر، هذا ما حصل. كل ذلك حدث بعد الانتهاء من المرحلة الابتدائية بمدرسة الهداية بالمحرق.

علمًا بأن هذه المرحلة في ذلك الزمان ربما تعادل مرحلة الثانوية اليوم بل أكثر من حيث المواد التي كانت تدرس لنا حتى في الصفوف الأولى وخصوصًا النحو، الانجليزي والتاريخ إلا ان كل ذلك لم يف الغرض في تطلعاتي واهتماماتي، فقد بدأت في الاطلاع على مختلف الكتب بل وتضاعف اهتمامي ورغبتي في شراء بعض منها ومما يتناسب في معرفتي ومقدرتي في استيعاب ما تحتويه تلك المؤلفات مثل مؤلفات د. طه حسين وعباس العقاد وغيرها من عمالقة الأدب والعلوم والثقافة، بعد فترة مرت من الزمن بدأت اتطلع أيضًا إلى ما يجري خارج وطني، في هذا الوقت كانت سنين الخمسينيات مليئة بمختلف النشاطات الأدبية والثقافية وحتى المسرح بسبب قيام أندية المحرق بمثل هذه النشاطات والتي استفدت منها كثيرًا بسبب عضويتي في كل من نادي البحرين ونادي الإصلاح ثم اشتراكي في بعض المسرحيات أو الروايات التاريخية، وتمر الأيام مسرعة وتشاء الصدف أن اكتفي ببعض الاخوان منهم المرحوم بإذن الله جاسم فخرو وعبدالله سالمين في كهوة (عايش)، اذن من هنا بدأت فكرة السفر حيث بدأ التخطيط لها بعد ان تبلورت كل المعلومات التي كنا نحتاجها وبعد عدة لقاءات في كهوة (عايش) توصلنا أخيرًا إلى خط سير هذه الرحلة وهي ان نسافر على بواخر الخليج المتجه إلى البصرة مارة في طريقها على ميناء بوشهر، لم نتأخر فقد قطعنا تذاكر على الدرجة الأولى أنا وجاسم فخرو وعبدالله سالمين، وصلنا البصرة وكانت بحق الدنيا فيها بصره في تلك الأيام والزمان الماضي، مكثنا فيها ثلاثة أيام وقد التقينا فيها بالمرحوم بإذن الله علي اسماعيل أحد رجالات المحرق المعروفين ثم تجولنا في بعض المناطق المهمة فيها وفي اليوم الأخير ركبنا القطار وكان الوقت مساء بينما وصلنا بغداد صباحا الساعة العاشرة والنصف والسبب توقف القطار في عدد كبير من المحطات مما اتاح لنا ان نفطر (باكيمر والخبز اللذيذ، لا أطيل عليكم.. فقد وصلنا بغداد وهنا بدأت معي مشكلة ربطة العنق (نكتاي) لأنني وبصراحة لم أعرف كيف ألفها أو أربطها فبدأت آخذ المقص واقرض منها قليلاً كلما لفيتها على عنقي وبرزت من فوق الكوت لكنها أخذت تنط وتبرز من أمام الكوت كلما أعدت الكرة ولفيتها وأمام هذا الوضع والجهد والتعب التقيت ربطة العنق (نكتاي) ومعها المقص، ما علينا، وصلنا بغداد وأخذنا نتجول فيها وفي شوارعها الجميلة الأثرية مثل شارع الرشيد وشارع أبونواس، والسعدون وهنا تذكرت قصة هارون الرشيد وأبونواس عندما قال له يا بونواس ستذهب معنا هذه السنة إلى الحج فرد أبو نواس بهذا البيت من الشعر: وقائل هل تريد الحج – قلت له نعم إذا ففت لذات بغداد. 

بغداد كانت ذلك العصر تتلألأ بالجمال والأنوار في كل مكان وكانت مشهورة بالسمك «المسقوف» يعني سمك من النهر الحلو، من المعروف ان العراقيين كانوا مشهورين أيضًا بحب وعشق أغاني محمد عبدالوهاب وكنا نسمع على مدار الساعة أغنية: كل ده كان ليه، وأنا والعذاب وهواك. كانت هاتان الاغنيتان تلعلع في كل مكان وتردد من حين لآخر. 

كانت حركة الناس في شوارعها لا تهدأ ولا تقف إلى ما بعد منتصف الليل، وقد اشتهر أهل العراق بالجود والكرم وإكرام الضيف، هكذا مكثنا في بغداد أكثر من ثمانية أيام بلياليها وسافرنا إلى الشام – دمشق عن طريق ناقلات كبيرة تسمى شركة «نيرن»، ثم وصلنا دمشق بعد ان أمضينا ساعات طويلة. دمشق وهي مدينة جميلة تسر الناظرين لا وقت للراحة، بدأنا نتجول في أهم مناطق دمشق وضواحيها منها سوق الحميدية ثم صلينا في المسجد الأموي، بعدها أكلنا البوظة في دمشق بعد يوم من وصولنا تعرفنا على أستاذ قدوره وهو من المدرسين في مدارس البحرين ومعه زرنا مناطق كثيرة، وبينما نحن في الشارع فوجئنا بوصول الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة، كان على وشك الدخول إلى الجامعة الأمريكية في بيروت إلا انه تلقى الأوامر من جده الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة أن يتوجه إلى القاهرة للالتحاق بإحدى جامعاتها وبوجود الشيخ عيسى بن راشد ازداد الأنس والفرح وبعد ستة أيام سافرنا إلى بحمدون – لبنان عن طريق سيارة تاكسي. بايجار ثلاث ليرات ونصف أو ربما أقل كانت أيامنا في لبنان من أجمل الأيام خصوصًا وإن لبنان ذلك الوقت، كانت تتباهى بجمالها وربوعها ومناطقها لم نسترح، تجولنا فيها من الجنوب إلى الشمال ثم طرحنا في بعض روابعها الخضراء بعدما تعبنا من مشاهدة آثار بعلبك وفي الطريق عرجنا على زيارة (يا جارة الوادي) زحلة الجميلة وفي أثناء اقامتنا في بحمدون، التقينا بالمرحوم بإذن الله الشيخ صباح بن عطية الله آل خليفة وكذلك المرحوم بإذن الله أحمد بن ناصر أحد رجالات الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة (الحاكم) كنا ننوي مواصلة السفر إلى مصر عن طريق البواخر لكن عندما فتحنا «أبواكنا» وجدنا انها كانت تخر كثيرًا ولم يبق لنا إلا القليل الذي يكفينا مصاريف الرجوع إلى البحرين. هذه قصة أول رحلة لي، بعدها بأعوام قليلة تفتحت أعيننا على السفر وهنا تكاثرت رحلات السفر إلى الخارج خصوصًا لبنان الجميلة ومدن أوروبا سواء للسياحة أو حضور بعض المؤتمرات أو الدورات الإدارية أو ورشات العمل وغيرها. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news