العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الـــــــذكــــــاء الإداري

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٠٣ نوفمبر ٢٠١٩ - 03:00

ربما طرق أذني مصطلح «الذكاءات المتعددة» لأول مرة عام 2009 عندما تم تكليفي بكتابة بحث حول الذكاء البشري، وذلك أثناء دراستي للدكتوراه، وأنا أبحث في موضوع الذكاء وقع بين يدي كتاب الدكتور جابر عبدالحميد جابر الموسوم بعنوان (الذكاءات المتعددة والفهم.. تنمية وتعميق) الصادر في عام 2003، فاعتقدت أني وقعت على أكبر كنز في التاريخ وأن هذا الموضوع لا يعرفه أحد إلا أنا، وإذ بي أتفاجأ بأن الكل يعرفه إلا أنا.

ولكن في الحقيقة – وخاصة أن الموضوع جديد بالنسبة إلي آنذاك – وجدته موضوعا شائقا جدًا فرحت اقرأ فيه وأسهب، وبدأت أفكر إن وجد العلماء أن الذكاء يمكن أن ينقسم إلى سبعة أقسام، وهي: الذكاء اللغوي، الذكاء المنطقي الرياضي، الذكاء المكاني، الذكاء الجسدي – الحركي، الذكاء الموسيقي، الذكاء الاجتماعي، الذكاء الشخصي، فلماذا لا توجد أنواع أخرى من الذكاءات؟ لماذا لا يوجد ذكاء بيئي مثلاً، وخاصة إني متخصص وكنت أعمل في مجال البيئة؟ ومثل ذلك، فهناك العديد من التخصصات التي برع فيها الأشخاص، فلماذا لا يُحسب ذلك على الذكاء؟

وبالإضافة إلى ذلك، حيث إني كنت من المغرمين بعلم الإدارة والتنمية البشرية وتطوير الذات، بدأ هذا السؤال يلح عليّ لماذا لا يوجد ما يعرف بالذكاء الإداري؟ وعندما وصلت إلى هذه النقطة بدأت أتساءل؛ تُرى ماذا من المفترض أن يعني الذكاء الإداري؟ هل هو خاص بالمسؤولين الإداريين أم يمكن أن يشمل القياديين؟ ما الفرق بين الإداري والقائد؟ وهل يمكن دمج المسؤول الإداري بالقائد لينتج لنا في النهاية الإداري القائد؟

إلا أني وخلال الفترة التي كنت فيها أشغل بعض المناصب الإدارية منذ عام 1996 – كرئيس قسم مراقبة الأغذية بوزارة الصحة – إلى ما يقارب منتصف 2014، كنت أحاول أن أمزج بين كوني إداري تارة حيث كنت أهتم بالموضوعات الإدارية البحتة مثل موضوع الحضور والانصراف، وكتابة التقارير، وإدارة الاجتماعات وزيادة الكفاءة الإنتاجية وتقييم الموظفين ومكافأتهم ومعاقبتهم وما إلى ذلك، وفي المقابل كنت أحاول أن أكون لهم أخًا أو حتى أبًا ومعلمًا، فكنت أحاول أن أحل مشاكلهم وأن أجالسهم وأمسح زعلهم وأدربهم بنفسي في بعض الموضوعات التي أنا عليم بها وأبعثهم للدورات التدريبية في أحيان أخرى.

كنت أقوم بذلك وأنا لا أعرف إن كان ما أقوم به صحيحا أم خطأ.

استمر الوضع على هذا المنوال حتى أواخر عام 2011 وبدايات عام 2012 عندما وقع بين يدي ملخص كتاب بعنوان «الذكاء الإداري» وهو استعراض لكتاب بالإنجليزي الصادر عام 2002. فرحت أبحث عن الكتاب الأصلي حتى وجدته بلغته الأصلية، فقرأته حتى شعرت أنه يحاول أن يروي ظمئي، ومع ذلك شعرت أني أريد أن استزيد، فبحثت عن موضوع «الذكاء الإداري» باللغة العربية فلم أجد إلا بعض الدورات التدريبية هنا وهناك، ولم أجد أي دراسة أو كتاب يتحدث عن هذا الموضوع بالرغم من أهميته.

عندئذ بدأت في وضع الأطر في ذهني لهذا الموضوع وبالتالي بدأت في كتابة بعض المقالات في جريدة أخبار الخليج – مملكة البحرين، وقد شجعني العديد للاستمرار في الكتابة وشرح هذا الموضوع.

ماذا نعني بالذكاء الإداري؟

أجد نفسي أني أتفق مع بعض الدراسات في الكثير من الاطروحات، فالذكاء الإداري هو عملية مزج ما بين الإداري من جهة والقائد من جهة أخرى، فالإداري مطلوب منه أن يتعامل مع السجلات والحسابات والتقارير وربما يقلل النفقات تارة ويخصم من راتب الموظف تارة أخرى ويضع الموازين والمقاييس لقياس أداء الموظفين وربما يعاقبهم ويزجرهم في أحيان كثيرة، وفي نفس الوقت مطلوب منه أن يتواصل مع مرؤوسيه ويستمع لمقترحاتهم وشكواهم، وأن يحفزهم ويشجعهم لتطوير ذواتهم وقدراتهم ويساهم في صقل مهاراتهم الفكرية والعملية والعلمية.

وهذا يعني أن الإداري يجب أن يتعامل مع كل هؤلاء البشر الذين يعيشون من حوله أو مرؤوسيه بميزان حساس، تارة هو مسؤول إداري وتارة هو قائد.

إذن، ببساطة يمكننا أن نقول إن «الذكاء الإداري» هو عملية مزج بين أمرين الإدارة والقيادة. وكان يعتقد في الماضي أنهما أمران مختلفان تمامًا، إلا أننا اليوم نعتقد أنه يجب أن تقاد المؤسسات وتدار بالذكاء الإداري، أكثر من أن تدار إداريًا أو قياديًا بصورة منفصلة.

وعلى الرغم من هذا الكلام التنظيري الجميل، إلا أن الموضوع له أبعاد وتشعبات كثيرة يصعب الوصول إليها في الكثير من الأحيان، فربما يجد القائد نفسه أو الإداري في مفترق الطرق، فهو لم يعد إداريًا ولا قائدًا، ولا يستطيع أن يقوم بهذا العمل أو ذلك، وذلك لسبب بسيط لأنه – مثلاً – أضاع الطرق وفقد البوصلة أو الخريطة التي يتبعها.

وربما يجد الإداري أو القائد أنه يصعب تنفيذ العديد من الأمور التي – قد – يجد أنها مستحيلة التطبيق، فالموظف المشاكس يحتاج إلى نفَس طويل للتعامل معه، وكذلك الموظف الكسول، وفي بعض الأحيان تضغط عليك الإدارة العليا لإنجاز بعض الأعمال التي تعرقل مسيرة الإدارة التي أنت مسؤول عنها، ليس ذلك فحسب وإنما قد تجد نفسك في لحظة أن المسؤول العام – سواء كان المدير التنفيذي أو حتى الوزير – قد طلب من أحد مرؤوسيك إنجاز بعض الأعمال متجاوزًا بذلك كل الأعراف الإدارية وضاربًا بك وبآرائك عرض الحائط ! فماذا يمكنك أن تفعل؟

فالعملية -التوازن بين الإدارة والقيادة – ليست من السهولة بمكان، وليست بالسهولة التي نتكلم عنها، إلا أنها ليست من المستحيلات السبع بحيث يلغى مفهومها وتستبعد عن حياة الإداريين، فكل إداري يمكنه أن يصبح إداريا قائدا، سواء كان وزيرًا أو حتى رئيس قسم، وكل يعمل بحسب المستوى الذي هو مسؤول عنه، وفي النهاية حتمًا سنصل إلى التغيير المطلوب، كل المطلوب بعض الجهد أو الكثير منه والرغبة في التغيير ووضع الأفكار والخطط.

ما الفرق بين الإدارة والقيادة؟

لقد حاول الكثير من العلماء والدارسين أن يفرق بين الإدارة والقيادة أو الإداري أو القائد، ولكن – في رأييّ المتواضع – أجد أن من أجمل ما ذكر في هذا الموضوع هذه القصة، يقول صاحب القصة: تخيل أن هناك مجموعة من المنتجين يشقون طريقهم عبر الغابة باستخدام المناجل. وهؤلاء هم المنتجون، إنهم يحلون المشاكل، إنهم يزيلون العواقب التي تعترض طريقهم.

والمديرون يقفون خلف هؤلاء المنتجين يشحذون المناجل، ويضعون السياسات ويجهزون الأدوات ويضعون برامج التنمية، ويعدون التقنيات المتطورة ويضعون جداول العمل وبرامج التعويضات الناجمة عن استخدام المنجل.

ولكن القائد هو الشخص الذي يتسلق أعلى شجرة ويقوم بعمل مسح شامل للموقف، ويصيح «إننا نسير في الغابة الخطأ».

ولكن ما جواب المديرين والمنتجين المنشغلين والفعليين «اصمت! إننا نحرز تقدمًا!».

ونحن كأفراد وجماعات ومؤسسات غالبًا ما ننشغل بقطع الشجيرات والحشائش دون أن نفطن أننا نسير في الغابة الخطأ. والبيئة التي نعيش بها، وتتسم بالتغيير المتسارع تزيد من أهمية القيادة الفعالة عن أي وقت سابق في كل منحى من مناحي الحياة – المستقل منها والذي يحتاج إلى الاعتماد بالتبادل، لذلك تتزايد حاجتنا إلى رؤية أو وجهة وبوصلة (أي مجموعة من المبادئ أو الوجهات) وتقل حاجتنا إلى خريطة للطريق، حيث إننا سنعتمد في الغالب على مقدرتنا على اتخاذ القرارات السريعة ونحن غالبًا نجهل ماهية الأرض التي نتقدم فيها أو ما يعوزنا لنمضي قدمًا فيها. بيد أن البوصلة الداخلية ستوجهنا دائمًا.

ولا تعتمد الفعالية – وحتى البقاء على قيد الحياة في الغالب – على مقدار المجهود المبذول ولكن تعتمد على ما إذا كان الجهد المبذول يسير في الغاية الصحيحة من عدمه. وتعتمد عملية التحول في معظم الصناعات والمهن على القيادة أولاً ثم الإدارة ثانيًا.

وفي مجال العمل يشهد السوق تغيرًا سريعًا حتى أن العديد من المنتجات والخدمات التي حظيت برضا العملاء ووافقت أذواقهم خلال السنوات القلائل الماضية أصبحت غير رائجة اليوم، لذا يتعين على القياديين المبادرين الأقوياء مراقبة التغيرات البيئية عن كثب، وخاصة عادات الشراء الخاصة بالعملاء ودوافعهم، وتوفير القوة اللازمة لتنظيم الموارد وتوجيهها في الاتجاه الصحيح.

وتتأثر البيئة تأثرًا ملحوظًا بتغيرات مثل تدهور صناعة الطيران، والكلفة الباهظة للرعاية الصحية، والجودة الأفضل والكمية الأكبر للسيارات المستوردة. وإذا لم تضع الصناعات المختلفة – البيئة في اعتبارها بما في ذلك فرق العمل والتدريب على القيادة الخلاقة والحفاظ على المسار الصحيح – فلن يتمكن خبراء الإدارة من منع تلك الصناعات من السقوط.

وقيل عن الإدارة الفعالة التي تعمل من دون قيادة فعالة «إن هذا الأمر يشبه صف مقاعد فوق سطح السفينة تيتانك». فمهما حققت الإدارة من نجاح فإنه لن يعوض فشل القيادة. لكن القيادة أمر صعب لأننا غالبًا ما نحصر أنفسنا في إطار التصور الذهني للإدارة.

يذكر ستيفن كوفي هذه القصة:

بعد عام كامل من دورة عقدت حول تنمية العاملين في سياتل، وأثناء الجلسة الأخيرة حضر إلي رئيس شركة بترول، وقال: 

ستيفن، في الشهر الثاني للدورة عندما أشرت إلى الفرق بين الإدارة والقيادة تدبرت وضعي كرئيس للشركة، وأدركت أنني لم أكن قائدًا في يوم. فقد كانت الإدارة مستحوذة عليّ ودفنت نفسي تحت ضغوط التحديات الملحة والتفاصيل اليومية، لذا قررت الانسحاب من الإدارة وتولاها أناس آخرون لأنني أرغب بالفعل في قيادة مؤسستي.

وكم كان ألم الانسحاب ممضيًا، لأنني توقفت عن التعامل مع الأمور العاجلة والملحة والتي تقع تحت ناظري، والتي كنت أشعر أنها تحتاج للإنجاز الفوري. ولم أتلمس شعور الآخرين بالرضا بينما شرعت في التصارع مع المسائل المتعلقة بالتوجه، وقضايا بناء ثقافة، والتحليل العميق للمشاكل، وانتهاز الفرص الجديدة المتاحة. فقد عانى الآخرون كذلك من ألم التخلي عن أساليب العمل المريحة التي اعتادوا عليها. فهم قد افتقدوا سهولة الوصول إليّ، وهو الأمر الذي اعتادوا عليه. فكانوا لا يزالون يريدون أن أكون متاحًا لهم وأن أستجيب لهم وأساعدهم على حل المشكلات اليومية التي تعترضهم.

ولكنني أصررت وكنت مقتنعًا تمام الاقتناع بحاجتي إلى توفير قيادة لهم، وهذا ما فعلت. واليوم اختلف عملنا تمامًا، فقد أصبحنا أكثر تواكبًا مع البيئة المحيطة بنا، لذا فقد تضاعفت إيراداتنا أربع مرات عن ذي قبل، وتحقق كل هذا لأنني انخرطت في القيادة.

ونحن نفتقر إلى وجود القيادة في حياتنا الشخصية، فنحن نركز على الإدارة الفعالة ووضع الأهداف وتحقيقها قبل أن نحدد قيمنا.

أعتقد الآن بعد هذا العرض وتوضيح الفرق بين الإداري والقيادي، تكون – عزيزي القارئ – على قناعة ما، فهل أنت إداري فقط، أم قائد أم إداري قائد؟ والخيار لك، وهذا هو ملخص كتابي الأخير (الذكاء الإداري – دليلك لتتفكر وتعمل كمسؤول قائد). 

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news