العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الثقافي

وهج الكتابة.. ابن الرومي متمردًا!

السبت ٠٢ نوفمبر ٢٠١٩ - 12:55

ماذا أتى بك أيها الشقيُّ إلى عصرنا 

هل من غَدرِ الزَمانِ 

أم هربًا من قَصَائدك القَاتلةْ

ما الذي أوقظكَ من سمِّ الأعداء 

هل لتصحيح تاريخٍ زيّفوهُ

أم لإشعال قصيدة جديدةٍ ماثلةْ

يا انتَ، يا شاعر كل العصور، يا شقي كل الأزمنة، يا من يمرُّ ويقيم في كل زمان ومكان. ما الذي ابكاكَ وشرّدك وقتلك. ما الذي اتى بك الينا روحًا دون جسد. قصائد ما زالت حيّة تحكي لنا حكاية التشرد والشقاء. حين دسّ وزير المعتضد السم في طعامه، هل ارتاح ابن الرومي من شقاء الدنيا أم كانت نهاية للسان سليط ينتقد ويهجو كل شيء بمعنى «معارض» حسب تعبيرنا الحديث. هذا الخارج الطالع من جحيم الفقد والفقر والمعاناة، جاء حاملاً سيفه المتمثل في شعره البتار ليشفي غليله من غدر الزمان وغدر الناس وفجيعة الرحيل التدريجي والمفاجئ احيانا لأفراد عائلته وابنائه مما دفعه إلى حياة العزلة والإنزواء. ليس سهلاً ان يفقد الفرد ابيه وهو في ريعان العمر ثم يلحقه معينه الدائم وهو اخوه الأكبر ثم ابناؤه الثلاثة ثم زوجته. أي نكبة أي فجيعة ان تكون وحيدًا معدمًا لا يحنو عليك احد. انسان سيئ الحظ بمعنى الكلمة. حاربه القدر بقسوة وحاربه الناس بالنكران وعدم الاعتراف. هذا الشاعر الرومي الأب الفارسية الأم جاء ليذوب وينغمس في بلاد العرب ويتشرب الثقافة العربية ويتحوّل إلى شاعرٍ فحل يتقن كل فنون الشعر. ويترك ثروة من الشعر تم طبعها في مجلدات عديدة. هذا الذي وصفوه بالشاعر الفض السليط اللسان كتب اجمل قصائد الغزل، منها:

يا خَلِيلَيَّ تَيَّمَتْني وَحيدُ

ففؤادي بها معنَّى عميدُ

غادة ٌ زانها من الغصن قدٌّ

ومن الظَّبي مُقلتان وجِيدُ

أوقد الحسْنُ نارَه من وحيدٍ

فوق خدٍّ ما شَانَهُ تخْدِيدُ

فَهْيَ برْدٌ بخدِّها وسلامٌ

وهي للعاشقين جُهْدٌ جهيدُ

هذا الشاعر المولود في بغداد عام 835 م هو أبو الحسن علي بن العباس بن جورجيوس المعروف بابن الرومي، هذا الدم الخليط الفائر كان يتمتع بثقافة عميقة مما جعله يتمرد على بؤسه وينتقد السلاطين والأوضاع المزرية فقتلوه خوفًا من حروفه الثائرة على عدم العدالة. لم يكن ابن الرومي من النوع الذي يحبه السلاطين وأصحاب الجاه بسبب صراحته وجرأته وعدم تملقه لهم. لذلك اتهموه - كما في جميع الأزمنة- انه كان غريب الأطوار سوداوي النظرة للحياة وله اطماع دنيوية وهذه الصفات هي عادة ما تطلق على الشعراء الذين لا يرقون لهم أو لا يداهنونهم بل يفضح عيوبهم:

ملَكَ النفاقُ طباعَه فتَثَعْلَبا

وأبى السماحةَ لؤمُهُ فاستكلبا

فترى غرورًا ظاهرًا من تحته

نَكدٌ فَقُبِّح شاهدًا ومُغيَّبا

ولَشرُّ من جرَّبتَهُ في حاجةٍ

من لا تزال به مُعنَّىً مُتعبَا

من لا يبيعُك ما تريد ولا يرى

لك حُرمةً إن جئته مُستوهِبا

ومثل معظم الشعراء والفنانين الذين يُعرفون بغرابة الأطوار، كان ابن الرومي عصبي المزاج ويتميز بحساسية عالية إلى جانب ذكاء عميق وعمق في الأشعار بسبب ما لحق به من ظلم وقساوة الحياة والناس. حتى ان المعري وصفه في كتابه رسالة الغفران: «أمَّا ابن الرومي فهو أحد من يُقال أن أدبه كان أكثر من عقله». من يكتب هذه القصائد العظيمة كيف يمكن ان يُتهم في صحة عقله. ان اعقل العقلاء في زماننا هم المجانين المبدعون لأنهم خلاّقين ويصنعون معنى!! 

لا بد من قراءة جديدة لابن الرومي ولغيره، فالتاريخ كما يبدو ليس دقيقًا، كتبه نفرٌ لا يتمتعون بالحيادية والشفافية. فلا يمكن أن يكون ابن الرومي كما وصفوه، بل أنه بنظرة متعمقة على أشعاره نراهُ إنسانًا آخر، عميقًا، حاذقًا غير الذي وصلنا عنه.

Alqaed2@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news