العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الثقافي

زيليغ البخيل

قراءة / مكي حسن

السبت ٠٢ نوفمبر ٢٠١٩ - 10:43

قراءة / مكي حسن

شهد العقد الثالث من القرن التاسع عشر انطلاقة جادة للكثير من القصص القصيرة الأمريكية، تناولت الواقع المعاش في تلك الحقبة الزمنية من تاريخ الولايات المتحدة، وتركزت حول حياة المهاجرين ومصيرهم حال وصولهم الى أراضي القارة الأمريكية، ومعاناة العبيد (السود) والتفرقة العنصرية ضدهم من قبل السيد الأبيض المالك للمزارع الشاسعة والحيوانات من المواشي والأبقار والخيول.

كما تناولت قصص تلك الفترة معاناة المحبين والمتزوجين البرجوازيين بالإضافة إلى برد الشتاء القارس وسقوط الأمطار على اكواخ القرى والحاجة إلى أدوات الطبخ والتدفئة فيما كشفت قصص أخرى عن مدى عسر الحصول على الدواء لدى الفقراء لشحة المال أو جراء عادة البخل السيئة لدى ارباب الاسر وغيرها من قصص السرقات والمغامرات والصيد في الغابات والترحال إلى القطب الجنوبي. وسأتناول باختصار وعلى حلقات بعضا من هذه القصص القصيرة مقتبسة من مجلد كامل صدر سنة (1918) لاوبراين ويحوي (108) قصة بعنوان «الأفضل»، تحرير جون ابديك ومساعده كاترين كينسمار، وقد تزامن وفاة اوبراين مع نهاية زواج مارثا فولي من الكاتب والناشر ويت بوينت، وأسسا سويا مجلة أدبية عرفت باسم «ستوري» وذلك من سنة 1931 إلى 1941, واحتوت قصصا رائعة في عالم القصة القصيرة الجادة والوطنية، اقترح بعدها سولو تاروف على إدارة مجلة ستوري ان تعهد مهامها لكاتب أو ناقد لتحرير كل مجلد على حدة وتمت الموافقة على ان يكون هو أول من يتولى هذه المهمة بحلة جديدة.

وقبل الولوج في سرد عدد من القصص، أود ان اتطرق إلى تعريف القصة القصيرة حسبما تراه الكاتبة الشهيرة فولي «بأنها تلك القصة القصيرة الجيدة التي لا تطول كثيرا وتعطي القارئ شعورا بأنه قد عاش تجربة تظل ذكراها».

ومن هذه القصص، قصة العجوز «زيليغ» القادم من روسيا والقاطن في منطقة شرق نيويورك، لا ينتمي إلى أي ملة أو طائفة، بخيل رث الثياب، عاش مع زوجته وابنه وحفيده، وكانت النظرة اليه من عامة الناس غير مشجعة للقشمرة والتنكيت معه ولا سيما ان شكله طويل، كث الشعر فلم يرق لزملائه في مصنع القبعات مظهره، فتناولوه بالتعليقات ما عدا حارسا من بولندا استطاع كسب وده، وكان افضل وصف لزيليغ من قبل عامة الناس «انه عبارة عن برميل ينقصه ثقب»، وهو تعبير جميل جدا لشدة وقساوة تعامله مع الآخرين ولضنك الحياة خلال البحث عن عمل.

ومن خلال سبر احداث قصة «زيليغ»، نجد ان زوجته اكثر الناس علما بحاله المادي، فكم من مرة تراه يخفي النقود تحت وسادته، وكان يحز في نفسها رؤية لباس زوجها الرثة وكأنه (شحاذ) من جهة، وبقاء أثاث الشقة دون تغيير من جهة أخرى، وما زاد من حدة حنقها عليه حادثة (وفاة ولدها وحاجته إلى الدواء، وحين اتصل الجيران به لإحضار الدواء، صرخ (ليس لدي مال وعلي ان استدين لشراء الدواء)، ومع الأسف تأخر في إحضار الدواء، فتوفي الطفل بعدها بقليل، وهنا تكمن العلة أو الكارثة في جشع الأب في الاحتفاظ بالمال وعدم صرفه في لحظة تقتضي ذلك وإنقاذ حياة شخص عزيز عليه من الموت.

وتتوالى الأحداث، فتكشف القصة عن جانب انساني للعجوز زيليغ في مشهد غريب حين يكبر حفيده ويطلب البقاء في أمريكا لسهولة الحصول على مقعد للدراسة الجامعية وكان الجد يفضل ان يدرس حفيده في روسيا، وكان رافضا في البداية وهم بضرب الصبي بقساوة إلا ان الزوجة كانت له بالمرصاد هذه المرة، فانتفضت، وقالت له: «توقف.. الا يكفيك موت ولدك بسبب بخلك»، وتميط نهاية القصة اللثام عن ان العجوز (زيليغ) لم ينم ليلتها، ووافق على تقديم النقود للدراسة الجامعية للصبي.

 نجد في احداث هذه القصة القصيرة تحولات في الوصف وتفاعل الشخصيات وسرد دقيق لشخصية العجوز البخيل، والأم الحنونة والصبورة، وفي النهاية تنتصر ارادة هذه المرأة (الأم) على الاب البخيل، وتتغلب عاطفة الواجب والكرم عند الجد على عادة البخل السيئة، فيدرك زيليغ ان البخل لا يؤكل لقمة خبز ولا يعلم طفلا بالمدرسة ولا يعلم صبيا بالجامعة، وصدق من تساءل: يا ابن آدم هل ستأخذ معك فلوسك إلى القبر؟

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news