العدد : ١٥٢١٩ - السبت ٢٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٩ - السبت ٢٣ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الثقافي

السرد من خلال الصورة: قراءة في رواية «وجه الموت الأخير» للروائي الشاب وعد حسين

بقلم: حيدر علي الأسدي

السبت ٠٢ نوفمبر ٢٠١٩ - 10:40

تعد الرواية المعاصرة من ابرز تمظهرات الادب من حيث الكشف عن فلسفة الروائي ورؤاه ازاء مفاهيم الوجود والاخر، بوصفها اصبحت ذات طابع متصل بالزمن المعاصر ومتغيراته ومنغصاته، وذلك بالعطف التام على توجهات المتلقي العربي من حيث إعادة انتاج قراءة الادب بوصفه يمنح اشباعًا فكريًا وروحيًا للذات، ان الرواية العربية المعاصرة وحتى العراقية اصبحت ذات حمولات دالة وعالية جدًا على مستوى صياغة وانتاج وتشكل الافكار لدى الجيل الحالي ورؤيته ازاء المتغيرات والثوابت والتاريخ والوجود برمته، وهنا لا بد من القول ان رواية (وجه الموت الأخير) للروائي الاديب البصري الشاب (وعد حسين) هي احدى تمثلات هذه المقولات، ولكن ان تكون تجربتك البكر بهذا المستوى وهذه الجرأة فهنا يجب التوقف لإعادة انتاج قراءة هذه الرواية التي خرجت من معطف الادب البصري الزاخر بالسرد وجمالياته، وعد حسين يرسخ بتجربته هذه اسلوب مغاير في تقديم الفكرة والتأسيس للثيمة السردية وإعادة تاثيث فضاء الرواية على وفق متطلباتها، عناصرها، تكويناتها، لغتها، صياغاتها، اذ ان الرواية تبني على اسلوب سردي ينطلق بالبناء على اصوات تتداخل بالروي، وتتلاحم من حيث الاحداث داخل فضاء الرواية، هنا الراوي متداخل مع الاحداث ليس على مستوى الروي وحسب، بل يتداخل من حيث التعايش مع شخوص الرواية والتأثير بمحركات السرد داخل فضاء هذه الرواية غريبة الفكرة والاحداث، وحين قراءة هذا النوع من الروايات ستقفز لك تداخلات شعرية تحفل بها هكذا انواع من الروايات، نظرًا إلى طبيعة اللغة التي تكتب بها، والارتكاز في بعض الاحيان على منطلقات (اقتباسات) ذات حمولات دلالية عالية تتسق مع الكم الدلالي في بنية السرد لكذا نوع من الروايات، وهو ما فعله وعد حسين في (وجه الموت الأخير) وكما ذكرت اسلوب التداخل في السرد ما بين الراوي وشخوص وعد، واحداث المواجهة (التحدث مع القارئ) (بداية الرواية) (هل بإمكان كمانن تتخيلوا اين قابع انا؟ اطمأنوا لن تسعفكم مخيلتكم في العثور علي) هذا التساؤل والمواجهة يفضي لحتمية تتعلق بالسطر الأخير لخاتمة الرواية ويختصر كل المسافات التي عزف عليها الراوي في مضمون فكرة روايته، كما ان الروائي يسعى لتأثيث امكنة هلامية، وتارة تأخذ طابع فلسفي (روحي) اي يمنح المكان صفة تجريبية واخرى تجريدية، تشكل المغايرة من خلالها، وحتى الامكنة التقليدية لديه بحكم الفكرة تتحول إلى امكنة مغايرة يحصل بها ما لم يحصل في نظيراتها، ويستمر وعد بالتجريب حتى في بناء مشاهده وفصوله (الفصل الأول /الصورة) (الفصل الثاني / الصرخة) (الفصل الثالث/مذكرات بإمضاء الموت) (الفصل الرابع /مذبحة الذات)، وثمة دالات تتوزع بجسد الرواية يمكن التقاطها لإعادة صياغة تفسيرية وتحليلية لما ابتغاه الروائي في ثنايا عمله هذا، هذه الدالات وزعها وعد على امتداد روايته وهو بذلك يسند قصته السردية، بافكاره ازاء هذا العالم وازاء الوجود بكليته وشموليته وتمظهراته، يقول في ص 13 (انظر إلى صورتي كمن ينظر إلى صورة غريب، شعرت بان الصورة متجذرة بالجدار، لا تنبض، لا ترتبط مع الزمن باي صلة، مثل اي شيء عابر ولا ينبغي الوقوف امامه أو التأملفيه)، ويقول وعد في ص15 (انزلقت روحي في فراغ معتم انتبهت إلى نفسي انظر إلى الغرفة من خلال صورتي المعلقة فوق الجدار! في تلك الصورة التي التصقت بأعلى الجدار اصبحت كينونتي محكومة باطار خشبي) ويقول ايضا في ص 18 (كم هو محزن ان يصبح وجودك في المكان غير مؤثر وجود يضيف مظهرًا فقط)، وكذا (العالم الذي تتأمله يبتسم ساخرًا منك)؛ واقول ماذا يمكن ان يحدث ان تنزلق فجاه وبصورة غرائبية لتكون داخل اطار صورة، لا يمكن ان يشعر بك احدًا، وترقب ما يجري بتلك الغرفة من احداث، غرفة يتتابع نزلاؤها واحدًا تلو الآخر، ولكل منهم قصة خلفها بحر من الاوجاع والاسرار المتلصقة بقضايا وجود الانسان بهذه المعمورة، هذا ما كانت تسرده لنا شخوص تلك الرواية، اكثر ما يمكن ملاحظته التفريع بالاشياء عبر إعادة انتاجها بهذه الرواية، لا الاشياء المتعلقة باكمال فضاء السرد الروائي وحسب بل الاشياء المتصلة بشكل الرواية وفلسفة فكرتها المطروحة، مثلا الامكنة في الرواية تتصل على مستويات (الجدران، الغرفة المؤجرة، القبر، كوكب اخر، منطقة العدم) اي تتداخل الامكنة الفيزيقية مع الامكنة الهلامية لتشكل بذلك بعدًا فلسفيًا دلالية يتسق مع الافكار التي طرحها وعد في جسد هذه الرواية المغايرة في كل شيء، وكذا الامر على مستوى التفكير وتفرعاته (الغرائبي، الواقعي، العقلاني، الحلمي) وكذا الامر للمستوى السيكولوجي (غباء، جنون، بلاهة، التشظي، الانفصام، الحزن، الدهشة، اللا مبالاة، الوحدة) وكذا الاشياء أو الاثاث القابع بالمكان الاحادي في الرواية (الساعة، ومدلولها المتصل بالزمن، مصباح الغرفة ودلالاته المتعلقة بالتنوير، الباب والانفتاح على الاخر والخروج من سجن الروح والذات) فهل يبرر كل ذلك ان (اصبحت كينونتي محكمة باطار خشبي) (ص 15 من الرواية). هل اباحت هذه الثيمة كل هذه التداخلات التي تخلق جماليات على مستوى (الفكر) وعلى المستوى الفني لبنية الرواية، وعد في روايته يطرح افكارًا تتصل بالوجود والعدم وغيرها من المفاهيم المتعلقة بنظرة الانسان لهذه الحياة وجدواها، وعلاقة الانسان مع الغير ومع الرب، وهو اعتمد اسلوب المكان الواحد والاحدث المتفرغة للحكي عن كل ذلك، وهو من اصعب الاشكال التي تنطلق منها بؤرة الرواية، اذ ترتكز رواية وجه الموت الأخير على احداث تقع داخل غرفة واحدة وحسب، ومن خلالها تنساب الاحداث وتجري وتتفاعل، وعد استطاع ان يمسك خيوط السرد بمقبض من ذهب، فهو روائي مبدع وروايته رواية (مسؤولية) ورواية تحمل فكر قصدي، فضلاً عن الجمال الفني لبنيتها، لغته بسيطة ولكنها مؤثرة ودالة (السهل الممتنع) رشيقة معبرة تدخل للقلب وتهز الروح وتثير المواجع وتطرح التساؤلات تلو التساؤلات، فـ الـ (لماذا) بطلة كونية في هذه الرواية، وهو ينتهز فكرته الجميلة لينوع من اساليب السرد الجمالية، التقطيع، الاستخدام الدلالي للمفردات، والشعرية في بعض الاحيان، فضلاً عن تداعي الروي لدى الشخصيات داخل فضاء الرواية، الرواية كما اسلفت حملت العديد من التساؤلات الوجودية وعلاقة الانسان بالأخر وبذاته، والتي اشتملت في بعض الاحيان التقريع للأخر بقوة وجلد الذات، ولا سيما ما جاء على لسان مذكرات الرجل المسن، والتعاقب الذي جرى على تلك الغرفة المستأجرة، انما يومئ وعد اشاريًا إلى انها تشتمل على فضاءات اوسع من تلك الغرفة الصغيرة، وبالنسبة للتساؤلات التي طرحها الروائي في متن هذه الرواية وبخاصة فيما يتعلق بفكرة الرب التي اصبحت متداولة في السنوات الأخيرة في ادبنا العربي، انما يلخصها وعد في مقطوعة دالة بالصفحات الأخيرة لروايته إذا يقول (ان ننقرض ولا نشعر بشيء بعد الان ذلك وفق فهمي عذابا كافيا، لا اخفيك سرا لطالما احتجتك بجانبي يا رب في بدايات حياتي، احتجتك في أول موعد غرام لي وقتها كان قلبي يخفق مترددا، توسلت بك ان تشد عزمه وتمنحني الشجاعة الكافية للنظر في عيني من احل، وعندما اخبرت احد رجالاتك من رجال الدين من دعائي اليك بهذه النية، التم وجهه ووبخني بأنك لست بهذه الشاكلة تتم مخاطبتك فهمت انهم يمتلكون الكلمات التي يخاطبونك بها اما نحن فلا نمتلك شيئًا الا القلوب ص 79)، لينهي وعد ما بدأه من مواجهة مع المتلقي في روايته، اذ جاء في صفحة الرواية الأخيرة (حينما بدأت المواجهة معكم قلت لكم ان عدم التصديق هو سبب ضياعي إلى اليوم، ما اطلبه ليس بالكثير وليس بالأمر الصعب عليكم لو رأيتم اي صورة لا تتجاهلوها، امنحوها دفئكم قليلا، تمعنوا بها، ولو تتطلب الامر تحثوا معها، والا لماذا تحتفظون بصور احبائكم ولحظات الزمن الجميل؟ هذه هي كلماتي الأخيرة والان سأختار الصمت إلى ان تعثروا عليَّ....) ما ان تنه هذه الرواية حتى تسرع لتحدث كل الصور المعلقة على جدران منزلك، تشعر بعلاقة غريبة معها، تشعر ان كل صورة خلفها يقبع شخص يشبه بطل هذه الرواية، تشعر برغبة الحديث معه، أو معانقته حتى أو محاولة الاستماع له أو الدخول معه في الاطار...وعد روائي قادم بقوة لسماء الرواية (العربية) كل الاعجاب والثناء لك صديقي الشاب الحالم والطموح، وانتظر مشروعك الروائي القادم بلهفة. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news