العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الاسلامي

حقوق الأم البديلة في الإسلام

الجمعة ٠١ نوفمبر ٢٠١٩ - 10:48

بقلم: د. أحمد علي سليمان

بسبب الوفاة أو الطلاق أو المرض الذي يُعجز عن رعاية الصغار، قد تغيب الأم الأصلية عن حياة أبنائها في سن مبكرة، فيتعهد الصغار في التربية والرعاية والعناية امرأة غير أمهم، ربما تكون الجدة أو الخالة أو العمة أو امرأة ليست ذات قرابة نسبية ولا عصبية، كزوجة الأب مثلا، وهى ما يطلق عليها «الأم البديلة»، وتضحي من أجلهم ابتغاء وجه الله تعالى.

إن عطاء الأم البديلة التي ضحَّت بوقتها وجهدها وراحتها ومالها من أجل تربية أولاد غيرها ورعايتهم والسعي على تحقيق مطالبهم وتأمين ما يحتاجون إليه ماديًّا ونفسيًّا ومعنويًّا... إلخ، لا يقدر بمال الدنيا. 

وإذا كان المحرك للحب والحنان في الأم الحقيقية نحو أولادها يكون طبيعيًّا وفطريًّا، فإنه في الأم البديلة -نحو أولاد غيرها- يكون أخلاقيًّا بل يبلغ أعلى وأرقى درجات سمو النفس. وهكذا فإن ما تقوم به الأم البديلة مع أولاد لم تلدهم يعد من القيم النبيلة جدًّا والتي تشبه الإيثار، وهو مِن محاسن الأخلاق الإسلامية، بل هو مرتبة عالية مِن مراتب البذل، ومنزلة عظيمة مِن منازل العطاء، لذا أثنى الله تعالى على الصحابة الكرام، ومدح المتحلِّين به، وبيَّن أنَّهم المفلحون في الدنيا والآخرة، بل إنني حينما أتأمل صنيع الأم البديلة مع هؤلاء الضعفاء -أيتاما كانوا أو أولاد مطلقة أو مريضة.. إلخ- أتذكر موقف الأنصار من المهاجرين، فالأم البديلة تقسم جهدها ووقتها وما تملك من أجل آخرين، تماما كما فعل الأنصار، وهذا الموقف الجليل سجَّله القرآن الكريم لهؤلاء بمنتهى الفخار، قال تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون)َ (الحشر: 9).

الأم البديلة شخصية فريدة في إخلاصها، وسمو نفْسِها، وطهارة أنفاسها، وجليل عطائها.. أبدعت في العطاء لصغار ضعاف فقدوا حنان الأم الحقيقية، وعطفها وثناءها وتوجيهها ونظراتها الحانية، فوجدوا ذلك ماثلا أمامهم، وشعروا به واقعا معاشا في دنياهم، ويا لها من تضحيات عظيمة تركت بصمات غائرة في عمق النفس وأهّلت هؤلاء الضعفاء لميادين الحياة!

وقد حرص بعض الصحابة على إيجاد الأم البديلة لأولادهم أو أخواتهم، وضربوا بذلك أروع الأمثلة في التضحية والشهامة والمروءة والإيثار في أسمى معانيه ومراميه، فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن سيدنا جابر بن عبدالله (رضي الله عنهما) أنه قال: مات أبِي وتَرَكَ سَبْعَ أو تِسْعَ بَنَاتٍ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَقالَ لي النبيُّ صَلَّى الله عليه وسلَّمَ: (تَزَوَّجْتَ يا جَابِرُ؟) قُلتُ: نَعَمْ يا رسول الله، قالَ: (بكْرًا أم ثَيِّبًا؟)، قُلتُ: ثَيِّبًا، قالَ: (هَلَّا جَارِيَةً -أي بِكرًا- تُلَاعِبُهَا وتُلَاعِبُكَ، أو تُضَاحِكُهَا وتُضَاحِكُكَ) قُلتُ يا رسول الله: هَلَكَ أبِي فَتَرَكَ سَبْعَ أو تِسْعَ بَنَاتٍ، فَكَرِهْتُ أنْ أجِيئَهُنَّ بمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عليهنَّ، فقالَ صلى الله عليه وسلم: (فَبَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ). 

ولما كان عطاء الأم البديلة فريدًا ومِن أكبر العلائم على سماحة النفس، واتِّصافها بمكارم الأخلاق، ومِن أدلِّ الدَّلائل على محبَّة الله، فيجب أن يُقابل ممن ربَّتهم وقامت على خدمتهم بعطاء فريد واحتفاء خاص، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: أتى رَجُلٌ رسولَ اللهِ (صلَّى الله عليه وسلَّمَ)، فقال: ما تَأمُرُني؟ قال: (بِرَّ أُمَّكَ). ثم عاد، فقال: (بِرَّ أُمَّكَ). ثم عاد، فقال: (بِرَّ أُمَّكَ). ثم عاد الرَّابِعةَ، فقال: (بِرَّ أباكَ). ولئن كان الاحتفال بالأم يتم يوما واحدا في العام فإن الإسلام يدعونا إلى الاحتفال والاحتفاء بها ليل نهار، ولئن كان الاحتفاء بالأم الحقيقية واجبًا دينيًّا وأخلاقيًّا؛ فإن رعاية الأم البديلة والاحتفاء بها والدعاء لها من أوجب الواجبات الدينية والأخلاقية، والنبي عليه الصلاة والسلام ربَّته أمه ثم ماتت، فتولت تربيته أم أيمن (بَركة بنت ثعلبة الحبشية) رضي الله عنها وأرضاها، لذلك كان النبي يُحسن معاملتها، ويناديها يا أماه، ويقول عنها: «هي أمي بعد أمي» وإذا رآها فرح برؤياها أو قال «هذه بقية أهل بيتي». 

واعترافا بفضل السيدة فاطمة بنت أسد (زوجة عمه وأمّ عليٍّ بن أبي طالب) في قيامها بدور أمه بعد وفاتها، فقد كرّمها غاية التكريم، أخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لمَّا تُوفِّيتْ فاطِمةُ بنتُ أسدِ بنِ هاشمٍ، دخلَ عليها النبي عليه السلام، فجلسَ عندَ رأسِها فقالَ: (رحِمَك اللَّهُ يا أمِّي كنتِ أمِّي بعدَ أمِّي تجوعينَ وتُشبِعينَني وتَعرَينَ وتُكسينني وتمنعينَ نفسَك طيِّبَها وتطعمينَني تريدينَ بذلِك وجهَ اللَّهِ والدَّارَ الآخرةَ). وذكرَ غُسلَها وأنَّه صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ صبَّ الماءَ الَّذي فيهِ الكافورُ عليها بيدِه وخلعَ قميصَه فألبسَها إيَّاهُ. وفي هذا الحديثِ أنَّهُ لمَّا حفرَ قبرَها وبلغوا اللَّحدَ حفرَه رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بيدِه، وأخرجَ ترابَه بيدِه، فلمَّا فرغَ دخلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فاضطجعَ فيهِ، ثمَّ قالَ: (اللَّهُ الَّذي يُحيي ويميتُ وَهوَ حيٌّ لا يموتُ، اللَّهمَّ اغفِر لأمِّي فاطمةَ بنتِ أسدٍ ولقِّنها حجَّتَها ووسِّع عليها مُدخلَها بحقِّ نبيِّكَ والأنبياءِ الَّذينَ من قبلي فإنَّكَ أرحمُ الرَّاحمينَ) وَكبَّرَ عليها أربعًا. وهكذا يجب أن يكون احتفالنا بالأم البديلة مستَلْهَما مما فعله النبي الكريم.

ويلحق بتكريم الأم والأم البديلة، الاحتفال -بل وتكريم- كل أنثى لها دور في تربية الأطفال، سواء في دور رعاية اليتامى، أو المعلمات والمدرسات اللواتي يبذلن جهودا مضنية لتربية الناشئة، وهذا يعد من أعلى الطاعات والقربات.

عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news