العدد : ١٥٢٠٨ - الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٠٨ - الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الاسلامي

«ادفع بالتي هي أحسن» ولكن للدفع طرق أخرى

الجمعة ٠١ نوفمبر ٢٠١٩ - 10:48

بقلم: أ. د. أمين عبد اللطيف المليجي

سبحان الله، قرأت هذه الآية الكريمة مرات عديدة، «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»، والآية كاملة من صورة فصلت يقول الله تعالى فيها «وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)»، وفي كل مرة كان الخاطر عن الدفع بالتي هي أحسن هو استخدام الحسنى واللين فقط، وهذا ما اقرت به التفاسير، ولكن عندما أتممت قراءة الآية الكريمة «فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» وجدت أن هناك معنى آخر تحمله الآية الكريمة والله أعلم، وهذا حال القرآن كله الذي لا تنقطع عجائبه على مر الزمان، والذي أمرنا الله بأن نتدبره كما قال «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا» (محمد: 24)، ولكن لن يصل أحد إلى تمام تأويله وتفسيره، لأن الله هو الذي يعلم ذلك فقط كما قال الحق «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ‏ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ» (آل عمران‏: 7‏). وقد وجدت أن السر يكمن في كلمة «كَأَنَّهُ» وهي الكلمة التي تحمل معنى المشابهة والمماثلة وتخيل حدوث شيء وهو في الحقيقة غير ذلك، ويكون في البلاغة تشبيها، كأن يقال عن كرم فلان كأنه حاتم في كرمه؛ أي مثل حاتم الطائي في كرمه وهو ليس كذلك، ويوضح هذا المعنى قوله تعالى في تصوير حال الناس يوم القيامة وسؤالهم عن مكوثهم في هذه الدنيا: «كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا» (النازعات: 46)، فقد جاءت كلمة «كَأَنَّهُمْ» هنا لتوضح معنى تخيل الناس يوم ان يروا الساعة أي يوم القيامة بأنهم لم يلبثوا إلا عشية واحدة أو ضحى واحدا، وهذا شيء لم يحدث، لأن الناس مكثت أعمارا مختلفة في الدنيا، ومن ثم فإنه لا بد أن يكون للدفع طرق أخرى، وليس طريق الحسنى واللين فقط. ولأن الناس مختلفون في طبائعهم فمن الناس من يكون اللين معه هو أفضل الوسائل لدفع الأذى أو الشر المتوقع منه، لأن هذا الصنف من الناس لا يحمل عدوانا في نفسه، بل يكون العدوان أو الشر وليد اللحظة، وهذا حال يمر به هذا الصنف، وهذا أمر يحدث نتيجة المشاحنات أو المعاملات بين الناس، والتي ينتج عنها خلافات، ومن الخلافات ينتج العداء، ومن العداء ربما يأتي العدوان والأذى، ولكن كما قلت إذا حضر الدفع بالحسنى واللين فإن النفس تصفو وتقبل العذر، وربما تتحول العداوة إلى محبة وأكثر، وكما يقال مثلا بين الناس (ما محبة الا بعد عداوة)، وأرى أن هذا الصنف هو الغالب بين الناس، لأن الناس خلقوا على الفطرة، أي أن الأصل في النفس هو الخير، ولكن الشر موجود أيضا، ولكن يغلبه الخير دائما، وربما يصب في هذا المعنى ما ورد في التفاسير عن عليّ، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) قال: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوُّهم، كأنه وليّ حميم. ولكن هناك صنف من الناس نفسه امارة بالسوء والشر، ولا يأمن جانبه، وربما يقابل الحسنة بالسيئة والنكران، وينسى ما قدمته له من خير، وهذا الصنف قليل بين الناس، ولكن إذا وجد فإن شره يعم كثيرا من الناس، ولذلك فإن هذا الصنف معروف أهله على مر الزمان ويشار إليهم لقلتهم، وهذا الصنف لا ينفع معه الدفع بالحسنى واللين، لأنك لو فعلت ذلك معه فربما تمادى في غيه وتمادى في إيذائه لك، وربما يظن أن اللين ضعف فيتمادى في شره، ويزداد عداؤه، فهل ينفع اللين معه؟ هذا الصنف لا ينفع الدفع بالحسنى ولا اللين معه، ولكن لا بد من طرق أخرى للدفع، أحيانا لا يردع هذا الصنف إلا اللجوء إلى سلطات الدولة التي تردعه بالقانون، وأحيانا أخرى يكون الدفع بعمل مثل ما يعمل، أي مبادلته بمثل ما يفعل، فإن كانت نفسه الشريرة تحمل جبنا فإن هذا الدفع يصلح معه، وتراه يخاف ويرتعد من مجرد أنك بادلته طريقته التي يستخدمها في الإيذاء، ويكون الدفع هنا رادعا له عن المضي في إيذائه، ويتوقف عن التمادي فيه، وها نحن نرى كل ذلك حتى على مستوى الدول، فهناك دول تؤذى جيرانها مثلا، ظنا أن ذلك من قوتها، ولكن لا تتمادى عندما ترى نفس القوة ظاهرة لها من الطرف الآخر. وهكذا فإن الحياة تعلمنا الكثير والكثير، لأننا نعيش بين الناس، ومادمنا نعيش بين الناس فلا بد أن نرى منهم الخير والشر معا، ولكن الحكيم من يرى غيره ويتعامل معه على قدر عقله وعلى قدر نفسه، فيسلم من أذى الناس قدر استطاعته.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news