العدد : ١٥٢٠٨ - الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٠٨ - الثلاثاء ١٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (98)

الجمعة ٠١ نوفمبر ٢٠١٩ - 10:47

بقلم: د. غريب جمعة

  المرحلة المصرية (77):

ما كاد الإمام الأكبر محمد الخضر حسين يجلس على كرسي مشيخة الأزهر حتى طفق الزائرون من كُتاب وعلماء وصحفيين يتقاطرون على مكتبه وكلهم يسأل عن أمور مهمة في الإصلاح الديني والتشريع الإسلامي والتقدم الحضاري والوضع السياسي فيجد الإجابة الرصينة السديدة لدى شيخ الإسلام شيخ الأزهر الدارس المستنير والعلامة الفاضل الكبير.

ولا يمكن أن نضع أمام القارئ كل أحاديث الإمام، سواء كانت للجرائد اليومية أو المجلات الأسبوعية والشهرية أو الأحاديث الإذاعية لأنها تحتاج إلى رسالة مستقلة، إنها كنز علمي يجمع من الجواهر أغلاها وأعلاها، لذلك سنكتفي باختيار بعض هذه الأحاديث التي تناولت موضوعات تهم المسلمين جميعًا في مصر وخارج مصر وقد وضعنا لها عنوانًا هو:

مختارات من أحاديث الإمام الأكبر محمد الخضر حسين شيخ الأزهر.

وليكن أولها حديثه الأبوي إلى أبنائه طلبة الجامع الأزهر بعنوان:

- من الأستاذ الأكبر إلى أبنائه الطلبة

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد:

فباسم الله تعالى وعلى بركته نستقبل عاما دراسيًا جديدًا في عهد جديد، والعهد الجديد يطلب من كل فرد أو جماعة أن يحقق الغاية التي يناط به تحقيقها.

والغاية التي ناطها الله بكم وجعلها أمانة في أعناقكم هي: غرس الدين وتقوية اليقين في الأمة وتربية الفضائل فيها واجتثاث الرذائل منها ونشر الأخوة الإسلامية والوطنية بين أفرادها وإحلال المحبة والتراحم محل التباغض والتشاحن وإحلال التعاون على البر والتقوى محل التعاون على الإثم والعدوان.

بهذه التربية الرشيدة تنشأ الأمة مؤمنة قوية، شديدة الأسْر عزيزة الجانب، تأبى الضيم وتنفر من الاستعباد وتكون من الأمم بحق موضع الإجلال والكرامة بل موضع القدوة والزعامة.

إن غايتكم هذه هي غاية الأنبياء والمرسلين وقد جعلكم الله ورثتهم تقومون بما قاموا وتؤدون لله والوطن ما أدوا، إنها أسمى غاية وأنبلها وبدونها يكون كل إصلاح -وإن اجتهد صاحبه- سطحيًا ظاهريًا لا ينفذ إلى باطن الأمر ولبه، بل يكون رقما على الماء أو نقشًا في الهواء وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك إذ يقول:

 «آلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب».

أبنائي! الأمر الجسيم لا ينال إلا بالعمل الجسيم والإعداد القوي فعليكم أيها الطلاب أن تعدوا أنفسكم لهذا الأمر الجلل وذلك بأن تكملوا أنفسكم بالعلم وتهذبوها بالخلق وتجعلوا غايتكم أمامكم لتسددكم وتقويكم وتشد عزائمكم وستجدون -إن شاء الله- من أساتذتكم آباء رحماء يُنهلونكم من مناهل العلم والتثقيف، ويعنون بكم في الدرس وفي خارج الدرس ويرعونكم ويوجهونكم ويحلون ما يعرض لكم من مشكلات في حياتكم العلمية والاجتماعية وسنربط بينكم -بإذن الله- برباط وثيق من المحبة والتعاون على بلوغ هذه الغاية العظمى.

سددكم الله وقواكم وأعاننا وإياكم على هذا الإصلاح العظيم في هذه النهضة المباركة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(مجلة الأزهر ج2 م24 صفر 1372 - أكتوبر 1952).

- شيخ الأزهر يعترض على القبعة:

تحت هذا العنوان نشرت جريدة الأهرام في عددها الصادر يوم الأحد 12 من أكتوبر 1952م ما يلي (بتصرف):

على أثر ما أذيع خاصا بأن اللجنة التي ألفت لتوحيد الزي أنها رأت استبعاد الطربوش كغطاء للرأس والاستعاضة عنه بغطاء عملي مناسب كالبيريه، أو القبعة على أن يشمل توحيد الزي جميع المصريين عدا هيئة كبار العلماء، والعلماء المشتغلين بالتدريس، توجه مندوب «الأهرام» إلى فضيلة الأستاذ الأكبر وسأله رأيه في هذا الزي المقترح فأفضى إليه فضيلته بهذا التصريح الهام:

إنني علمت أنه قد اقترح أن يكون الزي الموحد هو الزي الأوروبي لأنه أصبح زيًّا عالميا ولأنه من الناحية العملية أكثر ملاءمة لهيئات العمال والفلاحين، وهذا الزي يتألف من قميص وبنطال (بنطلون) بأثمان مناسبة.

وإنني أصرح بأن القبعة والبيريه ليستا زيًّا عالميا، وأن مئات كثيرة من الملايين في آفاق متعددة لا حد لها في قارات الأرض لم تتخذ هذا الزي ولذلك لم يبلغ أن يكون زيًّا عالميا ثم إنه ليس من الحتم على أي أمة أن تجاري الشكليات حتى لو كانت عالمية قبل أن تقتنع بأن ذلك أصلح لها.

والأصلح لكل أمة هو ما دلتها عليه تجارب ألوف السنين وإذا استوحى المصلحون من هذه التجارب الطويلة ما يكون به توحيد الزي فإنهم يصيبون بذلك الغرض من التوحيد والإفادة من تجارب الزمن. والمتعارف عند المسلمين الآن في مختلف أقطارهم: أن القبعة هي علامة غير المسلمين التي يفترقون بها عن أهل الإسلام، وأئمة المسلمين يعدون من الخروج على الإسلام الانحراف عن زيه إلى زي غير المسلمين فيما اختصوا به من علاماتهم.

وعلى القائمين بالأمر أن يختاروا الزي الذي يرونه ملائمًا لنا على أن يكون مخالفًا لما امتاز به غير المسلمين.

- رد فعل غير كريم:

ولم يكن هذا التصريح بردا وسلامًا على بعض الرموز الصحفية التي لا ترجو لله وقارًا وتعمل على تغريب المجتمع وطمس هويته العربية والإسلامية.. فقد كتب الصحفي المعروف محمد التابعي في مجلة «آخر ساعة» تحت عنوان كامل ملأ الصفحة:

«المسلم يرتدي القبعة إذا كان جاسوسًا»!

ومما قاله: أي أن شيخ الأزهر لا يريد أن يرتدي المسلم القبعة إلا إذا كان مكلفًا بالتجسس ولكن الذي لم يوضحه شيخ الأزهر: هل تعتبر البدلة هي الأخرى مما يمتاز به المخالفون؟ وإذا كانت في نظره هكذا فلماذا لا يصدر فتوى بتحريمها؟ (آخر ساعة العدد 947- 19/10/1952).

ومن المعروف عن هذا الصحفي أنه يلبس القبعة ويحيا حياة أوروبية خاصة إذا ما سافر إلى الخارج بل في مصر أيضًا.

ولم يكتف التابعي بذلك بل كتب في زاويته «من أسبوع لأسبوع» في مجلة «آخر ساعة» أيضًا، تهجما قبيحًا على الإمام محمد الخضر حسين لم يكن ليجرؤ على كتابته لو أن للشيخ عشيرة في مصر تحميه أو حزبا يؤازره ويواليه وقد أنهى كلمته بالعبارة التالية:

إن صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر مشهود له بالعلم والتقى والورع ولكن أشهد أنه لم يكن موفقًا في حديثه المذكور حديثه المملوء بالمتناقضات. أهـ

هذا مجرد نموذج من الكلمات الموتورة ضد ذلك الإمام الجليل ليعرف القارئ أن طريقه لم يكن مفروشا بالورود ولكنه صبر وصابر ورابط في جهاده مع صمت واحتساب.

(وإلى حديث آخر إن شاء الله) 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news