العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الاسلامي

أين الترادف (20).. «ولقد آتينا داود وسليمان علماً»

الجمعة ٠١ نوفمبر ٢٠١٩ - 10:46

بقلم: عاطف الصبيحي

أن لا تجد في كل الكتاب الكريم كلمتين بمعنى واحد.. تلك هي مُعجزة بحد ذاتها, تُصيب القارئ للكتاب الحكيم بالذهول, وتُخيم عليه الدهشة من الدقة البالغة التي يتميز بها أُسلوب القرآن الكريم, وهذا ليس من بنات أفكاري الخاصة, بل من أقوال الأعاجم قبل الناطقين بالضاد, شهِدوا ووثقوا شهاداتهم في أسفارهم, حتى وصل الحال ببعضهم أن تستعمره حالة وجدانية خاصة عندما يقرأ القرآن العظيم, فهذا «جوته» نتيجةً لهضمه المعاني المبثوثة في القرآن يقول: إنّ روحه تهتز داخل جسده عندما يقرأ القرآن, وكلما أعيا «رينان» الفرنسي التعب والإرهاق يحتمي بالقرآن ليتنسم راحته من خلال عِطر الدلالات القرآنية, ويُضيف أنه الكتاب الوحيد من بين آلاف الكتب التي قرأها الذي لا يتسرب إلى نفسه الملل حين يقرأه, ونكاد نتلمس السبب الكامن وراء رعشة الروح تلك ونقف على سبب الراحة التي تتخلل روح ونفس «رينان» من خلال الطائفة الآتية من المفردات القرآنية, والتي نستهلها من خلال وضع خط أحمر تحت كلمة «آتينا» الواردة في آية العنوان, لنستدعي شقيقاتها, ونقابلها معاً, لنقف على الفروق الدقيقة بينها, وإذا بنا أمام «آتى – أعطى – أهدى – وهب».

آتى: في هذه الكلمة ومشتقاتها خصيصة خاصة ومُدهشة, فهي ترِد في القرآن الكريم عندما يكون الأمر من ضمن ممتلكات الإنسان مالاً أو علماً أو شيئا يملكه الإنسان وله سيطرة عليه, ونقتبس من القرآن بعض الشواهد وليس كل الشواهد التي تؤيد هذا المعنى, «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين» 43 البقرة, الإيتاء جاء مع الزكاة لأن المال ضمن ممتلكات الإنسان وتحت سيطرته, «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تُقدموا لأنفسكم من خيرٍ...» 110 البقرة, وترِد هذه المفردة مع الشيء الصعب الذي لا يقدر عليه الإنسان, فكان الإيتاء أنسب التعابير التي وردت مع الكتب السماوية, «وآتينا داود زبوراً» 163 النساء, «ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم» 87 الحجر, وترِد مع الإيتاء بالمُلك, «تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء» 26 آل عمران, ومع الرحمة, «وآتاني رحمةً من عنده» 28 هود, وكما ذكرنا سابقاً ترِد مع المال لأنه من الأُمور الصعبة التي تقوم بها بعض النفوس, وليس جميع النفوس بقادرة على هذا الأمر الصعب.

أعطى: تُفيد معنى المناولة, وهذا يستدعي المواجهة والمباشرة, «حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون» 29 التوبة, «إنا أعطيناك الكوثر»1 الكوثر, «ولسوف يُعطيك ربك فترضى» 5 الضحى, وهذا العطاء في الآخرة وليس في الدنيا, ويمتاز العطاء بأنه يُصبح مُلك المُعطي إليه, إذن يبرز لدينا الفرق بين الإيتاء والعطاء ان الإيتاء لا يستلزم المناولة بينما هي من لوازم العطاء.

وهب: الوهب لا يكون إلا عن سؤال وطلب, والسؤال لا يلجأ إليه إلا المُحتاج, فسيدنا موسى سأل ربه «واجعل لي وزيراً من أهلي» 29 طه, فكان الرد الإلهي «ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبياً» 53 مريم, ودعاء المؤمنين «والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذُرياتنا قُرة أعين»... 74 الفرقان, «... فهب لي من لدنك وليا» 5 مريم, «قال إنما أنا رسول ربك لأهب لكِ غلاماً زكيا» 19 مريم, والشواهد كثير لمن أراد التقصي والبحث.

أهدى: والهدية تتمايز عن الهبة بأنها تأتي بدون سؤال وبدافع المحبة, وليس بالضرورة أن يكون المُهدى إليه محتاجًا إليها, وباعث الهدية التواد والتواصل الاجتماعي وتوطيد أواصر المحبة, «وإني مُرسلة إليهم بهدية فناظرة بِمَ يرجع المرسلون» 35 النمل, والآية التي تليها مباشرة «فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون» 36 النمل, ونلاحظ أنه استعمل آتاني وآتاكم بنفس الآية ليؤكد المعنى السابق الذي أشرنا إليه, فما آتى الله بلقيس من حكم وسيدنا سليمان من نبوة وحُكم من الأمور التي ليست بمقدور الإنسان أن يفعلها إنها شأن عظيم يختص به العظيم فجاء اللفظ من مشتقات «آتى».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news