العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الاسلامي

القرآن والعلم (2)

الجمعة ٠١ نوفمبر ٢٠١٩ - 10:45

بقلم: د: علي أبو هاشم

ارتبط القرآن العظيم ارتباطا وثيقا بالعلوم لارتباطه بحياة الناس، فمن العلوم ما تم استنباطه من القرآن مباشرة، ومنها ما تعلق القرآن بقضاياه تعلقا شديدا، فما من نوع من العلوم إلا وللقرآن به تعلق، وإن اختلف هذا التعلق من نوع إلى نوع، ومن موضع في القرآن إلى موضع. والقرآن لا يفترض فراغا أو إطارا ذهنيا ينزل فيه أحكامه وتُطبق فيه إرشاداته ؛ بل لابد لهذه الأحكام والإرشادات أن تنزل على واقع الناس ، ودراسة هذا الواقع تستوجب إعمال الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والتربوية والطبية وغيرها ؛ ولهذا صارت لجان الفقه – كما هو مشاهد معلوم – تضم الأطباء والاقتصاديين وعلماء الاجتماع والتربية وغيرها ، والحق أن الإنسان كلما كان أكثر معرفة بالعلوم كان فهمه للقرآن أحسن وأجود ؛ ولهذا يقول الزركشي: من كان حظه في العلوم أوفر كان نصيبه من علم القرآن أكثر، ويقول ابن حزم: على من قصد التفقه في الدين أن يستعين على ذلك من سائر العلوم، وحاجته إليها في فهم كلام ربه تعالى وكلام نبيه (ويقصد بهذه العلوم كل ما يساعد على فهم القرآن). 

وذهب ابن عاشور إلى أن علاقة العلوم بالقرآن على أربعة: علوم تضمنها القرآن كأخبار الأنبياء والأمم وتهذيب الأخلاق والفقه والتشريع والاعتقاد والأصول والعربية والبلاغة (وهذه العلوم الأساس والأصل لفهم القرآن)، علوم تزيد المفسر علما كالحكمة والهيئة وخواص المخلوقات، علوم أشار لها وجاءت مؤيدة له كطبقات الأرض والطب والمنطق. 

إن القرآن العظيم كتاب إلهي شامل قد حوى كل حاجات الإنسان الدنيوية والأخروية، وهو -كما سبق - يشير إلى تفاصيل بعض العلوم ويشير إلى بعض الكليات ويشير كثيراً إلى مقاصد لها تعلق ببعض العلوم أيضاً، فما من أمر من أمور الإنسان إلا وفي القرآن الدليل إلى سبيل الهدى فيه. ولا شك أن أحكام القرآن وإرشاداته وتعاليمه إنما جاءت لجلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها فما من مصلحة من مصالح الإنسان إلا وفي القرآن إرشاد إليها وتنبيه عليها. قال تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى). سورة البقرة: 2، ويقول تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء). سورة الأنعام: 38، على قول من قال أن المراد بالكتاب هنا هو القرآن. 

وقد جاء القرآن بقصص وأحكام وأوامر ونواه، وكل هذه الأمور يمكن أن تشكل قوانين عامة وسننا مطردة، والقرآن لا يحكي ما يحكي من قصص لغرض فني مجرد وإنما لاستخلاص العبر التي يتأتى استخلاصها بمعرفة العلل والأسباب التي تشكل تلك القوانين والسنن، وقد اهتم القرآن العظيم اهتماما كبيرا بتأسيس الحياة الاجتماعية وما ينشأ فيها من علاقات مختلفة، وبّين القواعد التي تصوغ التفاعل الاجتماعي في كل أشكاله وحدّد الأهداف والوسائل التي تمكّن من تحقيق هذه الأهداف.

ولا شك أن استخلاص السنن والقوانين الاجتماعية القرآنية ليس بالأمر اليسير الذي يستطيع أن يقول فيه كل من شاء ما شاء؛ بل لا بد من مختصين يحللون عوامل الربط والتسبب والاطراد والانتظام في الظواهر الاجتماعية فضلا عن المعرفة بقوانين الاستنباط من الواقع من جهة ومن القرآن من جهة أخرى؛ وذلك يقتضي المعرفة الدقيقة بالمفاهيم الاجتماعية القرآنية الكلية وما يندرج تحتها من مفاهيم جزئية، أو كلية وما ينشأ من تفاعلات بين هذه المفاهيم، التي تترتب بصورة منهجية، فتشكل النظريات المفسرة للفعل الاجتماعي، وهو عمل من أجل الأعمال.

وإذا كان استخلاص المقاصد والعلل والأسباب التي تشكل القوانين والسنن العلمية لا يتأتى إلا بفهم نصوص القرآن ومعرفة معانيها ومراميها وأهدافها - فقد يذكر القرآن نفسه تلك المقاصد والعلل صراحة في بعض الأحيان، وقد يستنبطها المجتهد بطرق الاستنباط المنضبطة، ومن العلل والمقاصد التي ذكرها القرآن في شأن المال قوله: (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ) وهذه الآية - كما ذكر ابن عاشور – يمكن أن تشكل قاعدة يؤخذ منها تفاصيل علم الاقتصاد السياسي وتوزيع الثروة العامة ويمكن أن تعلَّل بها الزكاة والمواريث وسائر المعاملات المالية، فهي أساس لمبدأ عظيم وهو التكافل الاجتماعي وترابط المجتمع ومحاربة الاحتكار، وعلاج الأثرة والأنانية، 

لم يغادر القرآن أمرا يتعلق بحياة الناس وعلومهم إلا ذكره، وإن اختلف هذا الذكر من موضع إلى آخر ومن نوع من العلوم إلى نوع؛ فهو قد يذكر أحياناً تفاصيل بعض العلوم ويذكر أحياناً كلياتها ويذكر أحياناً مقاصد بعض قضاياها؛ ولهذا ينبغي – عند دراسة علاقة ذلك بالقرآن- أن نهتم بهذه الأشياء بقدر اهتمام القرآن بها، ولكن مما ليس فيه من شك هو أن الرؤية القرآنية الكلية تحيط بكل العلوم وبكل المعارف وبكل أمور الحياة وترتبط بها أشد ما يكون الارتباط ، وليس ذلك فحسب بل إن هذه الرؤية تتعدى كل ذلك إلى عالم الغيب أيضا وتربطه به، وهو ما يسمى في علم التوحيد بالسمعيات، وهو كل ما يتصل بالإيمان بالغيب، مثل الإيمان بالله وباليوم الآخر والجنة والنار، ونعيم القبر وعذابه. 

وقد مدح الله تعالى هؤلاء فقال تعالى: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون). سورة البقرة: 3، وما ذاك إلا لأن القرآن هو صراط الله المستقيم الذي لا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الكريم جمّ المنافع، المشتمل على أصول العلوم في صلاح المعاش والمعاد، وصلاح الدنيا والآخرة. والقرآن 

هو البحر من أي النواحي أتيته، فلجته المعروف والجود ساحله. وهو الذي تحدى الله به الإنس والجن، فعجزوا أن يأتوا بمثله، أو بمثل سورة من مثله. يقول تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا). سورة الإسراء: 88، ومع كثرة معارضيه فقد عجزوا عن التحدي. والله خير الحافظين، يقول تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). الحجر:9 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news