العدد : ١٥٢٧٨ - الثلاثاء ٢١ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٦ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٧٨ - الثلاثاء ٢١ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٦ جمادى الاول ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

دولة الطوائف لن تحل مشاكل العراقيين

في بلد، مثل العراق, يعاني فيه النسيج الاجتماعي أمراضا خطيرة تفشت وانتشرت بقوة بعد جريمة الغزو الأمريكي لهذا البلد في عام 2003 وتعمد هدم قواعد وأسس أركان الدولة المستقلة، ومن ثم تقسيم البلد عموديا على أسس عرقية ومذهبية، فإن أي هزة اجتماعية تحدث لأي أسباب، وأخطرها بكل تأكيد عندما يتعلق الأمر بالبطون، فإن الهزة هنا يمكن أن تعصف بكامل البلد والمجتمع وتدخله في أتون من الصراعات الخطيرة، وخاصة إذا ما استغلت قوى وأطراف خارجية مثل هذه الأسباب للوصول إلى مثل هذا الهدف، وهو تدمير ما تبقى من بنى عراقية لم تجهز عليها جريمة الغزو بالكامل حتى الآن، وفي مقدمة ذلك ما تبقى من نسيج اجتماعي بقى صادما رغم شدة الضربات.

فانتفاضة العراقيين التي حصدت أرواح العشرات من أبنائه حتى الآن، تجتاح معظم المناطق العراقية وأهمها بغداد التي تمثل النسيج الاجتماعي العراقي بأكمله، هذه الانتفاضة يمكن أن تتحول إلى سيل جارف ما لم تتوافر الحلول القادرة على اجتثاث الأسباب التي أدت إلى اندلاعها، في مقدمة هذه الأسباب تأتي آفة الفساد التي التهمت خيرات العراق وبددت ثرواته الهائلة الأمر الذي تسبب في إفقار السواد الأعظم من أبنائه وعجزت أجهزة الدولة المختلفة عن معالجة أو حتى التصدي لهذه القضية قبل استفحالها وتحولها إلى مرض مزمن وخطير يهدد النسيج العراقي بأكمله.

العراقيون الذين عروا صدورهم في مواجهة الرصاص وكافة أشكال القمع العنفي الذي تستخدمه الأجهزة الأمنية، لم يخرجوا بحثا عن الموت والشهادة، ولم ينشدوا تفكيك ما تبقى من نسيجهم الاجتماعي أو هدم أجهزة وأركان الدولة، رغم كل العيوب التي تعاني منها بعد أن رسم صورتها الاحتلال الأمريكي منذ عام الغزو حتى الآن، إنما العراقيون خرجوا بحثا عن حقوقهم التي التهمتها آفة الفساد الذي استشرى في أركان الدولة العراقية وأدى إلى ما أدى إليه من أزمات اقتصادية واجتماعية كبيرة وخطيرة بكل المقاييس.

فالوضع الذي يمر به العراق في الوقت الراهن لا يقل خطورة عن الوضع الذي عاناه البلد إبان انتشار الأعمال الإرهابية وخاصة تلك التي قادها تنظيم ما يعرف بـ«الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، وهي الأعمال التي كادت أن تجر العراق إلى حرب طائفية كان من شأن وقوعها أن تأتي على الأخضر واليابس في العراق، لكن اندحار (داعش) وهزيمة الإرهاب لم يقض على الخطر المتربص بالعراق، وهذه المرة ليس للإرهاب والإرهابيين أي صلة به، وإنما الصلة المباشرة بهذا الخطر تأتي من داخل الدولة العراقية نفسها التي عجزت، أو استخفت بخطورة الفساد وما يمكن أن يقود إليه من أزمات.

فالأزمات التي تسبب فيها انتشار الفساد وتغلغله في أجهزة الدولة العراقية المختلفة، إضافة إلى ضعف القاعدة التي تقف عليها الدولة ذاتها بسبب البنية التي وضعها الغزاة الأمريكان والقائمة على المحاصصة العرقية والطائفية، هذه الأزمات هي التي تقف وراء انتفاضة العراقيين الأخيرة والتي يبدو أنها مرشحة للتواصل والتصاعد، وخاصة بعد أن سالت الدماء في شوارع المدن المختلفة وإصرار المحتشدين في الشوارع على المواصلة حتى تحقيق مطالبهم، وهي بالمناسبة حقوق مشروعة، ذلك أن جميع أبناء الشعب العراقي من جميع الأعراق والأديان والطوائف هم الأحق والأولى بثروات وطنهم.

فليس في الأفق المنظور ما يوحي بأن العراقيين على استعداد لأن يعودوا أدراجهم بعد هذا الزخم الجماهيري الذي اصطبغ بجميع ألوان الطيف العراقي، العرقي والديني والمذهبي، ذلك أن آفة الفساد لا تفرق في امتصاصها لدم الإنسان ونهش جسده، لا تفرق بين إنسان وآخر بسبب عرقه أو دينه أو مذهبه، فدماء هؤلاء كلهم مباحة بالنسبة إلى هذه الآفة الخطيرة، وعلى الدولة العراقية وأجهزتها المختلفة أن تأخذ ذلك على محمل الجد، وأن تثبت لهذه الجموع الجائعة والخائفة على مستقبلها ومستقبل أبنائها أن الدولة جادة في محاربة الفساد ووضع حد لانتشاره، والأهم في ذلك أن تشرع أجهزتها عمليا في التصدي لهذه الآفة وأن تثبت لأبناء الشعب العراقي جديتها في ذلك، وليس مجرد توزيع الوعود واللجوء إلى المعالجات المسكنة والتي أثبتت فشلها في الكثير من التجارب في العراق وفي غير العراق أيضا.

فالشعب العراقي الذي عانى كثيرا من أزمات مختلفة، سواء تعلق الأمر بتلك التي تسببت فيها جريمة الغزو، أو ما قبلها وبعدها، هذا الشعب من حقه أن يقطف ثمار التضحيات التي قدمها والمعاناة التي واجهها طوال عقود من شتى أصناف الاضطهاد السياسي والديني والعرقي أيضا، فهو أولا وقبل كل شيء يستحق دولة وطنية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالوقت، في اعتقادي، قد حان لتطهير البنية التحتية للدولة العراقية، من السموم التي زرعها الغزاة الأمريكان، لأن هذه السموم مسؤولة عن انتشار آفة الفساد، وهي الآفة التي أصبحت محمية بأغطية عرقية ومذهبية، ما كان ليحدث ذلك في دولة تقوم على قاعدة المواطنة دون سواها.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news