العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الثقافي

المختطفون .. على متن ذائقة أفلام الرعب

بقلم: الـدكـتـور كـاظم مـؤنس 

السبت ٢٦ أكتوبر ٢٠١٩ - 11:20

 

تحظى أفلام الرعب اليوم بأهمية بالغة حيث حولت الرعب إلى صناعة تجني أرباحا طائلة في شباك التذاكر، إذ تتمتع بقاعدة واسعة جدا من مشاهدي هذا النوع من الأفلام الذي تعددت أنواعه وموضوعاته، وتسعى الشركات الكبرى بقوة لإدامة الهيمنة على استمرار تدفق هذا النوع إلى صالات العرض، وقد نجحت هذه الشركات في الوصول إلى أهدافها بتوسيع قاعدة صناعة الرعب السينمي. حتى غدت هذه الظاهرة موضوع بحث واسع الطيف من لُدن علماء ومختصين في ميادين علم النفس والاجتماع والأنثربولوجيا والسياسة والاتصال وغيرها من الميادين.

وهذا النجاح الذي تحققه أفلام الرعب اليوم إنما يدل على تفاقم أعداد متذوقي النوع بمعنى وجود مساحة واسعة لذائقة ثقافية تسود مجتمعاتنا المعاصرة، ولا بد لهذه الظاهرة الواسعة أن تنطوي على ظواهر أخرى تأخذ أشكالا مختلفة وتتمظهر في العديد من الوجوه المنتجة لذائقة وثقافة منحرفتين في البنى المجتمعية. حينئذٍ لا يعد الرعب شعورا فرديا يتربص بشخص أو بفرد ما، بقدر ما يستحيل إلى نسيج في الوعي الجمعي يتمظهر بأنماط مختلفة من العلاقات والوشائج وصيغ التخاطب وتقاليد التعامل داخل بنيات المجتمع ليصبح الإنسان مخطوفا على متن ذائقة الرعب، وهذه العملية بوجهها الآخر تمثل إعادة صياغة للذات والمشاعر الإنسانية عبر دمجها في كتل أكبر تمثل جماعات ومجتمعات واهنة ومرعوبة تطحنها ثقافة الرعب والخوف التي تستحوذ على مجمل الفضاء الذهني لشرائح مجتمعية واسعة.

ويبدو أن صناعة الرعب آخذة بالازدهار، فقنوات البث الخاص والعام والمنصات قد أصبحت متاحة أكثر من أية فترة مضت، وفي ظلها زادت بواعث القلق والتوتر والريبة ومخاوف الإنسان، وجل ما نخشاه أن يدمن هذا النوع من المشاهدين الإحساس بالرعب، وهنا سيستنزف الفرد طاقته العقلية في تصنيع تدابير وقائية واستباقية واحترازية للحماية وهو ما تحرص السينما على إدامته باعتبارها أبرز وسائل صناعة الرعب العاملة على تعزيز الاعتقاد بأن مظاهر الرعب واقعية. كما أن نشر العديد من الإحصائيات عن الأوبئة والأمراض الفتاكة والسلوكيات المنحرفة وحكايات الخرافة والشياطين والمتحولين وغيرها إنما يثير حالات من الرعب قد تأتي في سياق صياغة ذائقة وبيئة ثقافية مملوءة بالخوف الذي أصبح جزءا كبيرا من ثقافة الاستهلاك، كما أن متلقيه مرتهنون لصناع الرعب ومصدريه. 

والسينما شأنها شأن كل الفنون أثبتت على مر السنين الطويلة أن الأعمال المنفذة بدقة تلتصق بالذهن لفترات طويلة بفعل عوامل الجذب الموظفة في هذا النوع من الأفلام فضلا عن شحنات عناصر التشويق في التعبير عن مخاوفنا من دون الشعور بأن ما نراه على الشاشة يتسلل إلى أعماقنا البعيدة، فهي شكل فني مفعم بالطاقة تستخدم تقنيات أخاذة ومؤثرات نابضة بالحيوية العالية، مما يسهم كثيرا في تمدد مجال الخطر الذهني الذي يستوطن محبي هذا النوع من الأفلام والذي قد يتمثل في هيئة سلوكيات متعددة قد تفتح آفاقا واسعة أمام اقتحام المجهول والاختلالات النفسية، بفعل الهزات العنيفة التي يولدها الرعب المتكرر من خلال المشاهدات المتكررة لذات النوع على المدى الطويل، وإذا ما جئنا بمقولة ليفي شتراوس بكتابه -بلدان المدار الحزينة- «بأن الإنسان هو النتاج الأساس للمجتمع الذي يعيش فيه»، وأنه في تفاعل دائم مع هذا المجتمع يتحرك فيه ويعيش بوسطه، وأن لهذا المجتمع شكلا ثقافيا تكونه الثقافة الجمعية للأفراد، ولا يمكن أن يستمر محافظا على طبيعته على وقع رهاب الرعب المتفجر لدى متذوقي هذا النوع من الأفلام. وبالنتيجة فإن عددا غير قليل من أفراد المجتمع قد يتعطل نموهم الثقافي وإمكاناتهم الذهنية والعاطفية، فيتشكل شعور جمعي بذائقة مغايرة لما هو سائد، ثم تأخذ هذه الظاهرة بالتكاثر، على أساس أن الذائقة قد تعمد إلى استنساخ ذائقة أخرى في عملية تكاثر قد يتسع نطاقها، وقد تستحيل هذه الذائقة المتسعة إلى وسيلة من وسائل الهيمنة الاجتماعية على حد تعبير ماكس فيبر، كما قد تصبح سينما الرعب نوعا من أدوات التطبيع على الذائقة ذاتها، فتكون جزءا من تنامي رد الفعل التلقائي لدى هؤلاء المشاهدين الذين سيبدون بمجملهم كالقطيع الواحد إذا ما استسلم الفرد لميول هذا القطيع

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news