العدد : ١٥٢٧٨ - الثلاثاء ٢١ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٦ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٧٨ - الثلاثاء ٢١ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٦ جمادى الاول ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

التونسيون بوعيهم يحمون وطنهم

من بين الدول العربية التي تعرضت للهيب ما يسمى «الربيع العربي» يمكن القول بأن قافلة تونس هي القافلة العربية الوحيدة التي تمكنت حتى الآن من عبور ألسنة لهيب ذلك الفصل الذي لفحت رياحه دولا عربية وحولتها إلى ما يشبه الركام البشري والمادي، فتونس بعد مرور ما يربو على الثماني سنوات منذ تغيير النظام السياسي فيها، تعتبر الدولة العربية الوحيدة التي تلقت أقل الخسائر البشرية والمادية، من دون أن يعني ذلك أن هذه الدولة العربية أحدثت تغييرها السياسي على طريق من الورود والرياحين، فهي كانت بعد تلك التغييرات ليس على مسافة بعيدة من الوقوع في نفس الفخ الذي اصطادوا بواسطته دولا عربية أخرى خاصة سوريا وليبيا، وبخسائر أقل، مصر.

قبل أيام، نجحت تونس في اجتياز اختبار جديد بعد تحولها السياسي، إذ نظمت انتخاباتها الرئاسية وجاءت برئيسها الخامس في عصرها الذي دشنه الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة مع بداية خمسينيات القرن الماضي والذي يعود إليه الفضل الأول في وضع لبنات الدولة الحديثة التي مثلت بحق قاعدة صلبة استطاعت تونس أن تقف عليها في مواجهة الكثير من التقلبات السياسية والاجتماعية، وليس مبالغة القول بأن هذه الخصوصية التونسية لعبت دورا مؤثرا في نجاح تونس، حتى الآن، في تنظيم انتخاباتها الرئاسية من دون مشاكل ومن دون أي عوائق.

الانتخابات الرئاسية التونسية شهدت تنافسا حضاريا شريفا بين المرشحين للمنصب الرئاسي، وأظهرت هذه الانتخابات الإرادة الشعبية المستقلة للغالبية العظمى من أبناء الشعب التونسي الذين حددوا خياراتهم بإرادتهم المستقلة، والتي أكدتها طبيعة النتائج التي أظهرتها صناديق الاقتراع، ذلك أن هذه النتائج حملت إلى كرسي الرئاسة شخصية مستقلة، الأمر الذي يؤكد أن غالبية التونسيين لم تقتنع ببرامج الأحزاب التقليدية وظهرت مستقلة عن هذه الأحزاب، وهو مؤشر سياسي جيد بالنسبة لمستقبل العملية الديمقراطية في تونس، وأهمها قدرة الناخب التونسي على تحديد خيراته بإرادته المستقلة وبعيدا عن أي شكل من أشكال التوجيه أو الانصياع السياسي الأعمى.

تونس هي الآن تسير على الطريق الصحيح وتضيف لبنات جديدة إلى البنيان السياسي الذي وضعه رئيسها المؤسس قبل ما يربو على الستة عقود، وهي في ذلك تحقق نقلة سياسية نوعية، وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى وعي الشعب التونسي وتمسكه بأسس وأركان الدولة ورفضه هدم هياكلها لمجرد أنه سعى لتغيير شكل نظامها السياسي، لهذا استطاع أن يجني الثمار من دون أن يقضي على الزرع، وبالتالي لم يقع في الخطأ الذي تسبب في كارثة شعوب عربية أخرى.

ما حدث في تونس هو تغيير سياسي نوعي، فهذا التغيير نقل تونس نوعيا إلى درجة متقدمة من درجات الممارسة السياسية الديمقراطية، وتمكن الشعب التونسي بذلك من تداول السلطة السياسية تداولا سلميا وفقا للنظام السياسي الذي اختاره بمحض إرادته، والأهم من ذلك، أنه، أي الشعب التونسي تمكن من سد الباب أمام القوى التي أسهمت في افتعال موجات «الربيع العربي» لتحقيق مآرب سياسية خبيثة، وبهذا أنقد تونس من براثن تلك المآرب، ويمكن القول بأن تونس تجاوزت أهم مرحلة من مراحل الخطر التي مثلتها موجات ذلك «الربيع»، لكن من المبكر حتى الآن القول بأن تونس حسمت نهائيا خطر تلك الأمواج.

ما كان للشعب التونسي أن يحقق هذا الإنجاز ويحدث النقلة السياسية النوعية المتميزة على المستوى العربي، لو لم يدافع عن أركان وأسس الدولة، ما كان ذلك ليحدث لو ان القوى السياسية التونسية انساقت وراء القوى الخارجية وصفقت وراء شعاراتها البراقة وأسهمت في تدمير أسس وأركان الدولة وأجهزتها الضامنة، كما حدث ويحدث حتى الآن في سوريا وليبيا، حيث انساقت القوى السياسية في هذين البلدين وراء الشعارات «الجميلة» وشاركت القوى الخارجية في تدمير أسس وأركان الدولة في البلدين، وإن كان هناك تفاوت بين ما تحقق في سوريا وذلك الذي حدث في ليبيا.

الخطأ الكبير والفادح الذي وقعت فيه قوى سياسية في سوريا وليبيا وفي مصر أيضا، ومن قبلهم في العراق، أن هذه القوى خلطت بين مطلب إحداث تغيير سياسي في شكل النظام القائم في هذه الدول، وبين أهمية الحفاظ على الدولة وهياكلها المختلفة، فهي سعت وطالبت بهدم المعبد ومن فيه، الأمر الذي تسبب في إحداث هذه الكوارث السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها هذه الدول، بدرجات مختلفة، فلا توجد، في ليبيا على سبيل المثال، دولة مكتملة المؤسسات والأركان على غرار الدول الأخرى، والأمر نفسه كان من الممكن أن يحدث مع تونس لو لم يفرق الشعب التونسي وقواه الوطنية، بين مطلب تغيير وتطوير النظام السياسي، وبين الحفاظ على الدولة ومؤسساتها المختلفة.. تمنياتنا لتونس الشقيقة المزيد من التقدم والازدهار والأمن والاستقرار.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news