العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٦ - الأربعاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (97)

بقلم: الدكتور غريب جمعة

الجمعة ٢٥ أكتوبر ٢٠١٩ - 11:26

صدى تعيين العلامة التونسي محمد الخضر حسين شيخًا للأزهر


  المرحلة المصرية (76):

كان لتعيين العلامة التونسي الأجلّ الشيخ محمد الخضر حسين صدى طيبًا وقبولا حسنا في مصر وخارج مصر. وقد ظهر ذلك الصدى في صور متعددة لا يمكن أن نحيط بها جميعها، وحسبنا أن نضع أمامك بعضها لتعرف مكانة الرجل العالمية وقيمته العلمية والخلقية وتحس صدق الكلمات وخالص المحبة وصافي الود عندما يوسد الأمر إلى أهله الذين يقومون به خير قيام. ولا عجب، فقد يعلن الله كرامته لأوليائه بمكافأتهم حتى في إعلاء مقامهم في الدنيا جزاء إيثار ما يرضاه لهم يوم الدين.

1- هذا هو اللواء محمد نجيب رئيس مجلس الوزراء حينئذ يرسل إليه الكتاب التالي:

حضرة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر يسرني أن أبلغ حضرتكم -مع مزيد الارتياح- صورة الأمر الصادر بتوجيه مشيخة الأزهر إلى عهدتكم. وانتهز هذه الفرصة فأقدم إلى حضرتكم عظيم التهاني على هذه الثقة الكريمة وأرجو للأزهر وأهله على أيديكم كل تقدم ورقي.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام (توقيع رئيس الوزراء).

2- وتجتمع جماعة كبار العلماء -أعلى هيئة علمية كما عرفت- يوم 26/11/1952م برئاسة فضيلة الأستاذ شيخ الجامع الأزهر للنظر في موضوع تنظيم أعمالها، وبعد افتتاح الاجتماع وقف فضيلة الأستاذ الكبير الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية وقال: إنني أشكر باسم جماعة كبار العلماء فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر وأعلن تضامننا معه وتأييدنا له فيما نشره من الأحاديث العلمية في جريدة «الأهرام» في مختلف الموضوعات التي تناولها بعلمه الغزير وعقيدته الراسخة مما كشف عن رغبة صادقة في إحياء مجد الأزهر وفي إطلاع عامة المسلمين على حقيقة الإسلام فيما يهمهم من الشؤون التي تحدث فضيلته عنها.

أما الأستاذ محمد عبداللطيف السبكي عضو الجماعة فيقول في مجلة الأزهر. (ج2 مجلد 24): ولعل من الفأل الحسن أن تقترن هذه الوثبة باستقبال الأزهر لشيخ تقي يستعين بالله حقا ولا يقول إلا صدقًا وهو بعد لا تخدعه الزلفى، ولا يغيره الثناء وعلى مثل هذا الشيخ يتوكأ الأزهر وينهض ويستفيد ويفيد، والله المستجيب.

3- جاء في مجلة «الأزهر» (عدد صفر 1372) تحت عنوان: مشيخة الأزهر في أكمل ما شهدناه من عهود ما يلي:

يقول فضيلة الأستاذ شيخنا السيد محمد الخضر حسين متعه الله بالعافية والتوفيق:

ولولا ارتياحي للنضال عن الهدى... لفتشت عن واد أعيش به وحدي

ونحن تلاميذه، ومعنا إخواننا من طلبة الجامع الأزهر وكلياته ومعاهده الذين يعدون بالألوف، ينبغي أن يكون لنا في حياة شيخنا القدوة الصالحة والأسوة الحسنة فيكون أول ما نرتاح إليه هو النضال عن الهدى ولا يناضل عن الهدى إلا الذي تجرى معرفته وتتبع ما دق أو جل من علوم أئمته وتراث علمائه وجعل من نفسه حلقة متواضعة في سلسلته الذهبية التي أولها عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان وآخرها عند شيخنا الجليل إمام الهدى السيد محمد الخضر حسين بارك الله في جهاده.

4- لم يقف الأمر عند مجلة «الأزهر»، فهذه مجلة «المصور» المصرية غير الأزهرية تنشر تحت عنوان: الأزهر للمسلمين جميعًا:

اختار مجلس الوزراء الشيخ الخضر حسين ليجلس في المكان الذي خلا باستقالة الشيخ عبدالمجيد سليم في مشيخة الأزهر، والشيخ الخضر حسين عالم مناضل اشتهر بالتقوى والصلاح وسعة الأفق وهذه هي المرة الأولى التي يقع فيها الاختيار على عالم من غير المصريين ليكون شيخًا للجامعة التي شع منها ضوء الإسلام ليغمر العالم إذ إن الشيخ تونسي الأصل (المصور في 31/10/1952).

5- أما رابطة أبناء الأزهر الأدبية فترفع إلى مقامه تحية شعرية تكتبها على غلاف المصحف الذي أهدته إلى فضيلته تقول فيها:

أجَلُّ ما أنزل المولى على البشر... وخير ما علَّم الرحمن من سور

نهديه حبًّا وإجلالاً سَما وصَفا... من القلوب إلى أستاذنا الخضر

شيخ الشيوخ وأتقاهم وأكرمهم... وقائد الأزهر المعمور ذي الخطر

أدامه الله في أمن وعافية... وخصه ربنا بالنصر والظفر.

 

6- ويتجاوب الشعراء مع الاحتفاء بالشيخ، فهذا هو الشاعر الكبير أحمد بن شفيع السيد ينشر قصيدة رائعة بمجلة الأزهر (ج2 م34) جاء فيها:

سيعيد للإسلام فضل جلاله... شيخ سما بجلاله وفعاله

نور الهداية في أسِرَّةِ وجهه... متألق كالبدر عند كماله

«شيخ الشيوخ» لقد حللت مكانة... في الشرق بين العز من أبطاله

سيان ماضيك المجيد وحاضر... كالضوء عند ضحاه أو آصاله

عَلَم له في كل عِلْم جولة... حتى ليلقى من كبار رجاله

«الأزهر المعمور» يأمل فيكم... تحقيق ما يرجوه من آماله

إنا لنعرف لك دينا قيمًا... «عوذت دينك بالنبي وآله»

7- ولم تكن الصحافة التونسية بأقل ترحيبًا بالشيخ من الصحافة المصرية، فهذا هو شيخ الصحفيين التونسي الأستاذ الطيب بن عيسى يكتب مقالا مطولا في صحيفة «الأسبوع» التونسية (في عدد 30 نوفمبر 1952)، عن شيخ الأزهر الجديد يقول فيه تحت عنوان صدى توليته المشيخة: كان لتوليته هذه الخطة المعتبرة صدى كبير بالعالم الإسلامي لأن شخصيته معروفة ولا سيما بتونس والجزائر وسوريا حيث يعرفه تلاميذه الكثيرون مع سمعته الواسعة.

وقد اهتزت كافة الأوساط التونسية سرورًا للفخر الذي ناله جامع الزيتونة الأعظم، إذ أنجب مثل هذا العالم الكبير الذي أصبح على رأس العلماء الأعلام بالعالم أجمع لأنه يترأس الأزهر الذي يمثل أعظم كلية دينية بالعالم الإسلامي.

وهذه جريدة «الوزير» التونسية تنشر في عددها الصادر (7 من ربيع الآخر سنة 1372هـ / 25 ديسمبر 1952) تحت عنوان: «حظوة شيخ الأزهر الجديد» ما يلي:

لأول مرة في تاريخ الأزهر أو في تاريخ شيوخ الأزهر يذهب ثلاثة من الوزراء يطرقون باب شيخ ليقولوا له: أنت شيخ الأزهر!!

وقد قوبل نبأ تعيين شيخ الأزهر الجديد بالرضا والغرابة:

الرضا لأنه لا ينتمي إلى حزب سياسي ولم يعرف أنه أيد زعيمًا من الزعماء أو حزبًا من الأحزاب ثم إنه لا يرجو مغنمًا من الدنيا لأنه شارف السن التي لا تسمح للإنسان إلا بالتفكير في الله، ولهذا فالمنظور أنه سيعمل لله وأنه سيعمل للأزهر من حيث رفع مكانته وأهم من ذلك كله: أنه لا حاشية له في الأزهر تُسَيِّره بل إنه سيعمل من وحي إرادته وما يرتضيه الأزهر وهذا هو المهم.

أما الغرابة في التعيين فلأنه تونسي الأصل وغريب على الأزهر أن يتولى مشيخته غير مصري، والمهم أن اختياره جاء موفقًا لتولي هذا المنصب الكبير والخطير.

8- ولم يكن شعراء تونس بأقل ترحيبًا بالشيخ من شعراء مصر، فهذا شاعر «نفطة» الكبير (بلدي الشيخ) الأستاذ سالم ضيف تنشر له جريدة «الأسبوع» التونسية تهنئة شعرية إلى شيخ الأزهر الجديد في عددها 303 سنة 1952م جاء فيها:

يا ابن الحسين أيا من زان أمته... أنت العظيم وبحر كله درر

ها هي الإمامة قد جاءتك طائعة... بالجامع الأزهر السامي لها عبر

عصر المحاباة قد ولَّى بخسته... وجاء عصر إلى الأكفاء ينتصر

إلى أن يقول:

فالجامع الأزهر الزاهر بطلعتكم... قد اعتراه سرور ليس ينحصر

ومصر كلها والشرق في فرح... وتونس جَذْلي لَمَّا جاءها الخبر

و«نفطة» أمك السمحا تباهي بكم... وتدعو يا ابني لك الإسعاد مزدهر

9- وتشارك الجزائر في الترحيب بالشيخ حيث ينظم أمير شعرائها الأستاذ محمد العيد قصيدة بلغت سبعين بيتًا لتهنئة الأزهر بالإمام الجديد ونُشرت في العدد (208) من جريدة «البصائر» الجزائرية سنة 1952 نختار منها هذه الأبيات التي يقول في مطلعها:

بارق من بوارق الشرق لاحا... جر للشرق غبطة وفلاحا

ثم يقول:

وحبا الأزهر الشريف رئيسًا... عبقريًّا ومصلحًا مسماحا

وإماما مجددًا مغربيا... رفع المغرب المهيض جناحا

هنئ الأزهر الشريف بشيخ... طاب أُنسًا به وزاد انشراحًا

رأس الأزهر الشريف فَخِلْناَ... سادن البيت أوتي مفتاحا

وجلا الحق «بالهداية» حينًا... فنفى عنه غَيْمَه وأزاحا

حارب الجهل والتعصب والإلحاد... والدجل والخنا والسفاحا

أورث الله من «طُولقة» العرق... وأورى «بنفطة» المصباحا

«تونس» تقبل التهاني نشوى... وتهادي «الجزائر» الأفراحا

(طولقة: بلدة جزائرية تعود إليها أصول الإمام محمد الخضر حسين، أما نفطة فهي البلدة التونسية التي وُلد بها كما عرفت).

ذاك غيض من فيض الترحيب والقبول والرضا لتعيين الشيخ الخضر شيخًا للأزهر الشريف.

(وإلى حلقة جديدة بإذن الله)

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news