العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

تداعيات تراجع الدور الأمريكي في سوريا

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ - 03:00

قامت القوات التركية في 9 أكتوبر 2019 بشن هجوم على مناطق سيطرة الأكراد شرق الفرات، فيما عرف بعملية «نبع السلام»، والهدف منه كما يرى أردوجان تطهير المنطقة من منظمتي (بي كي كي/ واي بي جي) وداعش الإرهابية، ووضح أن هدفه القضاء على الممر الإرهابي المراد تشكيله على حدود تركيا الجنوبية، مؤكدًا أن الدافع الرئيسي هو تأمين شريط بعمق 32 كيلو مترًا وطول 480 كيلو مترًا داخل سوريا على طول الحدود لحماية أمن تركيا من ناحية، وإعادة توطين ما يقرب من مليونين من إجمالي 3.6 ملايين لاجئ سوري من ناحية أخرى، ويُعد هذا ثالث توغل لتركيا منذ 2016 بعدما انتشرت فعليا قوات على الأرض في قطاع رأس العين بشمال سوريا، بهدف احتواء النفوذ الكردي بسوريا في الأساس.

وفي هذا الصدد اتخذ ترامب قرارين متناقضين؛ تمثل أولهما في سحب القوات الأمريكية من المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وما ترتب عليه من تمهيد الطريق لتركيا لغزو المنطقة الشمالية السورية لكى تحارب الأكراد، الذين تعتبرهم تركيا تهديدا لأمنها القومي، وقال ترامب فى تغريدة له على تويتر فى 14 أكتوبر:«البعض يريد من الولايات المتحدة أن تحمي حدود سوريا برئاسة عدونا بشار الأسد رغم بعدها 7000 ميل»، وتابع قائلا:« دع سوريا والأسد يحميان الأكراد ويحاربان تركيا من أجل أرضهما، قلت للجنرالات: لماذا يجب أن نقاتل من أجل سوريا والأسد لحماية أرض عدونا؟!». أما ثانيهما فتمثل في التراجع عن هذا القرار بعد 5 أيام، من خلال التهديد بأن واشنطن ستفرض عقوبات جديدة على أعضاء الحكومة التركية بمن فيهم وزراء الدفاع والطاقة والداخلية والمسؤولون المرتبطون بنشاطها فى سوريا، فضلا عن إيقاف المفاوضات بشأن صفقة تجارية بقيمة 100 مليار دولار، ومضاعفة التعريفة الجمركية على الحديد التركي بقيمة 50%، وذلك بعد موجة من المعارضة من أعضاء الكونجرس مثل ليندسي غراهام- عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية كارولينا الجنوبية- الذي يرى أن الانسحاب مكن تركيا من غزو سوريا، فضلا عن التنديدات الدولية الرسمية وغير الرسمية بقرار الانسحاب.

وقد أدَّى ذلك إلى إثارة التساؤلات حول مدى استمرارية فاعلية السياسة الخارجية الأمريكية في المجتمع الدولي؟! فقد كانت السياسة الخارجية الأمريكية تسير عبر خطوط واضحة؛ تمثلت في الاعتماد على شبكة معقدة من التحالفات والشراكات التي تخلق الاستقرار، من خلال القدرة على التنبؤ بالأحداث حول العالم، بالإضافة إلى دعم حلفائها، سواء بتوفير كميات كبيرة من المساعدات العسكرية أو الإنمائية لهم، وقد قدمت هذه المساعدات الى الدول الأوروبية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والى إسرائيل بداية من ستينيات القرن الماضي، والى بعض الحلفاء العرب، بالإضافة إلى الدول الآسيوية، مثل: كوريا الجنوبية واليابان؛ التي طالما اُعتبرت بمثابة منطقة عازلة عن الدول الشيوعية المحلية، لكن مع ترامب يبدو أن الوضع تغير كثيرا، وأضحت السياسة الخارجية الأمريكية تسير وفق أهوائه من دون استراتيجية واضحة، بل إن قراراته تكون في أي وقت وبدون مقدمات.

ويعتبر تقويض مصداقية الولايات المتحدة لدى حلفائها وتشجيع أعدائها من أهم النتائج المترتبة على مثل هذه القرارات غير المتسقة، وفي هذ السياق تقول سوزان مالوني- نائبة مدير برنامج السياسة الخارجية بمعهد بروكينجز-:«إن اللامبالاة الصريحة من قبل إدارة ترامب تجاه الالتزامات والمصداقية والقيم الأمريكية -كما يتضح من انسحابه السريع وغير المتوقع من سوريا- تعد انقلابا على حلفائه».

لقد أصبح من الواضح أن ترامب لا يهتم كثيرا بالحقائق الجيوسياسية، ولا يشعر بالحاجة إلى خدمة المصالح الأمريكية في الخارج، ولا مصالح حلفائها، إذا تعارضت مع أهدافه السياسية الداخلية، وبالنسبة الى حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، يُثير هذا الأمر قلقهم، وخاصة الإسرائيليين، وكذلك الدول العربية بالخليج، الذين شجعتهم واشنطن على العمل سويًا ضد إيران، فعدم رغبة الرئيس ترامب في مواجهة العدوان الواضح ضد حلفائه (الأكراد)؛ الذين قاتلوا وسال دمهم جنبا إلى جنب مع القوات الأمريكية، يعد تطورًا سيئا للغاية؛ حيث يقوض- بالنسبة إلى هذه الدول- مصداقية استعداد ترامب المفترضة لمواجهة العدوان الإيراني في المنطقة، إذا دخلت إيران في صراع مع دول الخليج العربية أو غيرها من حلفاء الولايات المتحدة، فمن غير المرجح قبل انتخابات عام 2020 أن يرسل ترامب قوات إلى الخليج، خوفا من خسارة قاعدته الانتخابية.

ويتوقع كثير من المحللين سماع نغمة تخلي الولايات المتحدة عن حلفائها خارج الشرق الأوسط؛ فالدول الـ81 المشاركة في التحالف المناهض لتنظيم الدولة الإسلامية، والتي لم يتم إخطارها بقرار إدارة ترامب، ستعمل جاهدة على الخروج من سوريا والعراق قبل أن ترفع الولايات المتحدة يدها عن مساعدتهم في مواجهة خطر داعش، وسيكون من الصعب إقناعهم بالمساهمة فيما تُريد حله من مُشكلات، وفي هذا الصدد لا يمكن إغفال أن الدول التي تعتمد بشكل كبير على ضمانات الأمن الأمريكية ستشرع في البحث عن بدائل، وهذا ينطبق بشكل خاص على أوروبا، بالنظر إلى أن ترامب قد هاجم حلف شمال الأطلسي (الناتو) سنوات، وشكا من استنزافه لموارد الولايات المتحدة، ومن المرجح أن يكون هذا الحادث الأخير مثار قلق كبير للحكومات القريبة منها، والتي تعتمد على الناتو للوقوف ضد روسيا، والقوى الأخرى، مثل: بريطانيا وبولندا.

إنَّ هذه القرارات المتناقضة قد تؤدي أيضا إلى تشجيع خصوم الولايات المتحدة، والذين يسعون للعمل ضد مصالح واشنطن ومصالح حلفائها، وخاصة أن ترامب كان قد أثنى على خصومه، مثل: فلاديمير بوتين، وكيم جونغ أون، بينما أهان الحلفاء في أوروبا وآسيا؛ حيث ادعى أنهم يسرقون من دافع الضرائب الأمريكي، وهو ما يُظهر ضعفًا رئيسيا في صنع السياسة الخارجية الأمريكية، ويقوي شوكة الدول المارقة التي سعت واشنطن وحلفاؤها سنوات لاحتوائها، مثل: كوريا الشمالية وإيران وفنزويلا، والتي من المرجح أن تستغل حالة التضارب في المصالح لتعزيز موقفها؛ فقد نجحت طهران في استغلال هذا في السنوات الأخيرة، مستغلة عدم استعداد واشنطن لتوسيع وجودها في الشرق الأوسط من خلال ترسيخ مكانتها في سوريا والعراق؛ مع العلم أن أي اعتراضات من واشنطن تجاه أي أعمال إيرانية عدائية ستكون مجرد استهجانات فعلية وانتقادات كلامية.

ولعل استعداد ترامب للاستسلام لمطالب أنقرة وممارساتها العسكرية يظهر لخصوم الأمريكيين أنهم بإمكانهم ممارسة نفوذ مماثل على الرئيس الأمريكي، حيث يصف بليز ميستال- زميل معهد هدسون- الانسحاب الأمريكي من شمال سوريا: «بأنه جعل اليد الطولى لدولة سلطوية معادية للولايات المتحدة، ويلحق الضرر بمبدأ أمريكا أولاً»، وذلك عن طريق رضوخ ترامب لتلبية المصالح التركية على عكس رغبة أولئك المسؤولين الموجودين داخل حكومته، ورغم كون أنقرة حليفًا ظاهريًا لواشنطن- في عهد أردوجان- إلا أن تركيا ظلت خصمًا قويًا للولايات المتحدة أكثر من كونها حليفًا لها، وكانت توائم مواقفها بشكل استراتيجي مع كل من موسكو وطهران، ويمكن الجزم بأن استسلام ترامب لأنقرة في هذا الوقت يتوافق مع نمط أوسع ملموس في السياسة الخارجية لإدارة ترامب، ولا سيما أن الأخير سعى مرارًا وتكرارًا إلى إقامة روابط مع خصوم الولايات المتحدة، وهما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس كوريا الشمالية «كم جونغ أون».

إنَّ السلوك الذي أبداه ترامب في سوريا، أولاً عن طريق سحب القوات الأمريكية من المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وثانيا محاولة معاقبة تركيا لغزوها المساحة التي أخلتها تلك القوات, له عواقب متعددة على صعيد الشؤون العالمية، فهو بمثابة تأكيد لحلفاء الولايات المتحدة بأن واشنطن أصبحت الآن حليفًا غير موثوق به، فضلا عن تعزيزه لحظوظ أعدائها، ولعل عدم اتساق السياسة الخارجية للولايات المتحدة وتعارض توجهاتها مع حلفائها الرئيسيين، يجعل الدولة السورية عرضة للاستغلال من قبل دول مثل إيران. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news