العدد : ١٥٢٧٨ - الثلاثاء ٢١ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٦ جمادى الاول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٧٨ - الثلاثاء ٢١ يناير ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٦ جمادى الاول ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

(حماس) عَمَتها ولم تكحِّلها

يبدو أن حركة المقاومة الإسلامية «حماس» أرادت أن تكحل موقفها من الغزو التركي للشمال السوري فعمته، فالحركة ومن خلال البيان الذي أصدرته لتحديد موقفها من هذا العدوان حاولت أن توفِّق بين مساعيها التي تبذلها في الآونة الأخيرة بهدف ترميم علاقاتها مع الحكومة السورية بعد مواقفها الداعمة «للمعارضة» هناك، وفي نفس الوقت لا تريد أن تتسبب في خدش علاقاتها السياسية والأيديولوجية التي تربطها بالنظام التركي بقيادة حزب العدالة والتنمية (الإخوان المسلمين الأتراك)، لكن الحركة بكل المقاييس السياسية أخفقت في ذلك، إذ إن ما يحدث في الشمال السوري لا يمكن وصفه سوى بالغزو الخارجي والتعدي على سيادة دولة عربية مستقلة، بعيدا عن أي حسابات سياسية ذات صلة بالموقف من النظام السوري.

تقول الحركة في بيانها إنها «تتفهَّم حق تركيا في حماية حدودها والدفاع عن نفسها وإزالة التهديدات التي تمسُّ أمنها القومي أمام عبث جهاز الموساد الصهيوني في المنطقة، والذي يسعى إلى ضرب الأمن القومي العربي والإسلامي»، وفي نفس الوقت تؤكد «وحدة أراضي سوريا الشقيقة على كامل ترابها وحدودها الوطنية»، الحركة في بيانها سالف الذكر تتجاهل حقيقة أن الغزو التركي للشمال السوري ليس له علاقة لا من قريب ولا من بعيد بعبث جهاز الموساد «الإسرائيلي»، فهذا الجهاز يمتلك علاقات استخباراتية مع الأجهزة التركية المختصة، أضف إلى ذلك فإن وجود عناصر هذا الجهاز في بعض مناطق الشمال السوري سببه ضعف الدولة السورية وخروج هذه المناطق عن سيطرتها وتركيا نفسها تتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية حدوث هذا الفراغ.

أمَّا الكلام عن «وحدة أراضي سوريا الشقيقة» فهو جاء لذر الرماد في العيون لأن بيان «حماس» يؤيد بشكل غير مباشر الغزو التركي إذ يتبنى الحجة التركية نفسها التي تقول أن العملية جاءت «لحماية الأمن الوطني التركي»، مع أن هذا الأمن لم يكن يوما من الأيام مهددا من الجانب السوري، وتحديدا الأكراد السوريين الذين توصمهم تركيا بالإرهاب، مع أنهم، قبل كل شيء، حاربوا الدولة السورية التي تواجه حربا منذ أكثر من ثماني سنوات بدعم من تركيا نفسها.

من هو حريص فعلا على «وحدة أراضي سوريا الشقيقة»؟! لا يمكن في أي حال من الأحوال تبني الادعاءات التركية التي تبرر غزوها لأراضي دولة عربية شقيقة، فما وقعت فيه «حماس» من خطأ ببيانها سالف الذكر يعد خطأ لا يغتفر، بل والأسوأ من ذلك أنه يتماشى مع التبريرات الصهيونية لاعتداءات قوات الاحتلال على الشعب الفلسطيني، حيث الادعاء بالحق في الدفاع عن النفس وحماية «الإسرائيليين» من «الإرهاب الفلسطيني» وهي نفس الحجة التي تسوقها تركيا لتبرير غزوها للأراضي السورية، وهو التبرير الذي لقى تصديقا وتجاوبا من حركة «حماس».

ليس هناك خطٌ رمادي فيما يتعلق بالغزو التركي للأراضي السورية، فكل التبريرات التركية ليس لها أساس من الصحة، ذلك أن هذا الغزو تم بتوافق وتنسيق مع الإدارة الأمريكية ومن شأنه أن يعزز المخاوف من تنفيذ مخطط تقسيم سوريا وتفتيتها كدولة موحدة ذات سيادة، تركيا التي تدافع «حماس» عن غزوها للأراضي السورية تنفذ هذا المخطط الخطير تحت حجج لم تعد مقبولة وليست ذات مصداقية وسقط أمام مواقف الرفض الواسع من جانب العديد من دول العالم، وفي مقدمتها الدول العربية التي أدانت العملية التركية ومخاطرها على الأمن الوطني السوري والقومي العربي.

يعرف الجميع خصوصية العلاقة بين حركة «حماس» والنظام الحالي في تركيا وما يربطهما من وشائج سياسية وعقدية، وهذه العلاقة تخص الطرفين، فإذا كانت حركة (حماس) تعتقد أن تركيا صادقة في مواقفها من القضية الفلسطينية فهذا شأن يخص «حماس»، وإذا كانت الحركة قادرة على غمض أعينها عن طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين الكيان الصهيوني وتركيا، فهذا أمر يخصها أيضا دون سواها، لكن تخطئ الحركة إن هي اعتقدت بقدرتها على تضليل البصائر وحجب الحقائق، سواء تعلق الأمر بعلاقة تركيا مع الكيان الصهيوني أم بأهداف الغزو التركي لأراضي الجمهورية العربية السورية.

كان أفضل لحركة «حماس» أن تلوذ بالصمت إزاء ما تقوم به تركيا في الشمال السوري، خاصة وأن الحركة عاجزة تماما عن وصف العملية التركية بالغزو والاحتلال إيمانا منها بقدسية العلاقة التي تربطها بالحزب التركي الحاكم، لأن إقدام الحركة على إصدار مثل هذا البيان المتناقض والهزيل الذي يبرر بشكل لا لبس فيه الغزو التركي لسوريا، يضع الحركة أمام تساؤل مشروع حول مدى مبدئية الموقف من أعمال الغزو والاحتلال والتنكيل التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني من جانب سلطات الاحتلال «الإسرائيلي»، فالحركة بدلا من أن «تكحِّلها عمتها».

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news