العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

سينما

المختطفون .. على متن ذائقة أفلام الرعب

بقلم: د. كـاظـم مـؤنـــس الـجـامـعـة الأهـلـيــة

الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ - 11:01

تحظى أفلام الرعب اليوم بأهمية بالغة حيث حولت الرعب إلى صناعة تجني أرباحا طائلة في شباك التذاكر،إذ تتمتع بقاعدة واسعة جدا من مشاهدي هذا النوع من الأفلام الذي تعددت أنواعه و موضوعاته، وتسعى الشركات الكبرى بقوة لأدامة الهيمنة على استمرار تدفق هذا النوع إلى صالات العرض وقد نجحت هذه الشركات في الوصول إلى أهدافها بتوسيع قاعدة صناعة الرعب السينمي. حتى غدت هذه الظاهرة موضوع بحث واسع الطيف من لُدن علماء ومختصين في ميادين علم النفس والاجتماع و الأنثربولوجيا والسياسة والاتصال وغيرها من الميادين .

وهذا النجاح الذي تحققه أفلام الرعب اليوم إنما يدل على تفاقم أعداد متذوقي النوع بمعنى وجود مساحة واسعة لذائقة ثقافية تسود مجتمعاتنا المعاصرة ،ولابد لهذه الظاهرة الواسعة أن تنطوي على ظواهر أخرى تأخذ أشكالا مختلفة وتتمظهر في العديد من الوجوه المنتجة لذائقة وثقافة منحرفتين في البنى المجتمعية. حينئذٍ لا يعد الرعب شعورا فرديا يتربص بشخص أو بفرد ما، بقدر ما يستحيل إلى نسيج في الوعي الجمعي يتمظهر بأنماط مختلفة من العلاقات والوشائج وصيغ التخاطب وتقاليد التعامل داخل بنيات المجتمع ليصبح الإنسان مخطوفا على متن ذائقة الرعب، وهذه العملية بوجهها الآخر تمثل إعادة صياغة للذات والمشاعر الإنسانية عبر دمجها في كتل أكبر تمثل جماعات ومجتمعات واهنة ومرعوبة تطحنها ثقافة الرعب والخوف التي تستحوذ على مجمل الفضاء الذهني لشرائح مجتمعية واسعة.  ويبدو أن صناعة الرعب آخذة بالأزدهار فقنوات البث الخاص والعام والمنصات قد أصبحت متاحة أكثر من أية فترة مضت، وفي ظلها زادت بواعث القلق والتوتر والريبة ومخاوف الإنسان، وجل ما نخشاه أن يدمن هذا النوع من المشاهدين الإحساس بالرعب ، وهنا سيستنزف الفرد طاقته العقلية في تصنيع تدابير وقائية وإستباقية وإحترازية للحماية وهو ما تحرص السينما على إدامته باعتبارها أبرز وسائل صناعة الرعب .العاملة على  تعزيز الاعتقاد بان مظاهر الرعب واقعية .كما أن نشر العديد من الإحصائيات عن الأوبئة والأمراض الفتاكة والسلوكيات المنحرفة وحكايات الخرافة والشياطين والمتحولين وغيرها أنما يثير حالات من الرعب قد تأتي في سياق صياغة ذائقة وبيئة ثقافية مملوءة بالخوف الذي أصبح جزءا كبيرا من ثقافة الاستهلاك، كما أن متلقية مرتهنون لصناع الرعب ومصدريه. والسينما شأنها شأن كل الفنون أثبتت على مر السنين الطويلة بأن الأعمال المنفذة بدقة تلتصق بالذهن لفترات طويلة بفعل عوامل الجذب الموظفة في هذا النوع من الأفلام فضلا عن شحنات عناصر التشويق في التعبير عن مخاوفنا من دون الشعور بأن ما نراه على الشاشة يتسلل إلى اعماقنا البعيدة، فهي شكل فني مفعم بالطاقة  تستخدم تقنيات أخاذة ومؤثرات نابضة بالحيوية العالية . مما يسهم كثيرا في تمدد مجال الخطر الذهني الذي يستوطن محبي هذا النوع من الأفلام والذي قد يتمثل في هيئة سلوكيات متعددة قد تفتح آفاقا واسعة أمام إقتحام المجهول والإختلالات النفسية، بفعل الهزات العنيفة التي يولدها الرعب المتكرر من خلال المشاهدات المتكررة لذات النوع على المدى الطويل، وإذا ما جئنا بمقولة ليفي شتراوس بكتابه - بلدان المدار الحزينة – «بأن الإنسان هو النتاج الأساس للمجتمع الذي يعيش فيه «  وأنه في تفاعل دائم مع هذا المجتمع يتحرك فيه ويعيش بوسطه، وأن لهذا المجتمع شكلا ثقافيا تكونه الثقافة الجمعية للأفراد، ولايمكن أن يستمر محافظا على طبيعتة على وقع رهاب الرعب المتفجر لدى متذوقي هذا النوع من الأفلام. وبالنتيجة فأن عددا غير قليل من أفراد المجتمع قد يتعطل نموهم الثقافي وإمكاناتهم الذهنية والعاطفية، فيتشكل شعور جمعي بذائقة مغايرة لما هو سائد، ثم تأخذ هذه الظاهرة بالتكاثر،على أساس أن  الذائقة قد تعمد على استنساخ ذائقة أخرى في عملية تكاثر قد يتسع نطاقها، وقد تستحيل هذه الذائقة المتسعة إلى وسيلة من وسائل الهيمنة الاجتماعية على حد تعبير ماكس فيبر  كما قد تصبح سينما الرعب نوعا من أدوات التطبيع على الذائقة ذاتها، فتكون جزءا من تنامي رد الفعل التلقائي لدى هؤلاء المشاهدين الذين سيبدون بمجملهم كالقطيع الواحد إذا ما استسلم الفرد لميول هذا القطيع، وهي ميول مرضية بطبيعتها توقـِفه من تحرير ذاته، وهنا « سيصبح كما يريد له الآخرون « على حد تعبير إريك فروم في كتابه الخوف من الحرية «. ولعل السؤال الذي غفل عنه النقد لسنوات طويلة: هل ياترى تمثل أفلام أو سينما الرعب بكل مصنفاتها الروح الثقافية لعصرنا الحالي؟ حيث ينتقل الرعب والإضطراب والقلق بين الناس بسرعة فائقة ويترك إنطباعات غير سليمة على المجتمع ككل وإذا ما وضعنا مقاربة بين الفن والإنسان والأخير والوجود فسندرك جيدا بأن ثمة علاقة وطيدة بين الفن والوجود. إذن هل يمثل هذا السيل العارم من أفلام الرعب تجسيدا إستبصاريا للرعب والخوف والعفن الثقافي؟ بفعل ما يبعثه من رسائل، مع علمنا بأن عددا كبيرا من الأفلام يزعم أنه من نسج الخيال.غير أن المُنتج الفني أي كان جنسه نعدهُ نصا مشفرا على حد تعبير رولان بارت، وهذا النص ينطوي بالضرورة على محتوى ومعنى يخلقهما صانع الفلم ويشاهده المتلقون، فهناك منظومة كبيرة من الصور والحوارات والمؤثرات المتشكلة مع بعضها، وهي بالضرورة ليست إعتباطية بل يمكن فهمها وقراءتها بشكل متتابع، مما يمنحها معان متراكمة بسبب إشتغالها تكامليا مع بعضها البعض مكونة كيانات شاملة، وإذا ما أردنا الغطس فيما وراء الشاشة هنا ينبغي فهمها على أنها تمثلات لأفراد وشخوص وأمكنة وأحداث وأفكار ومضامين ذات صلة بالوجود، وهي كلها عبارة عن رموز أو شفرات لا تُنتج من العدم، إذ ثمة من يبث فيها الطاقة والحيوية الكافية ويشكل صياغتها بسياق وكيفية محددة لإيصال معنى ما. وهذه كلها لها تداعياتها على المشاهدين.ويمكن أن نستشهد بما يذكره سكيب داين يونج في كتابه - السينما وعلم النفس ـ حيث يذكر الحادثة التالية :ـ  « في العشرين من أبريل عام 1999قام إريك هاريس وديلان كليبولد بإطلاق النار بشكل هستيري على طلاب مدرسة كولمبين الثانوية في مدينة ليتلتون بولاية كولورادو ،مما أسفر عن مقتل ثلاثة عشر شخصا وجرح وأحدا وعشرين قبل ان يطلقا النار على نفسيهما. عند اقتحامهما المدرسة كان كل منهما يرتدي معطف مطر أسود اللون يشبه المعاطف التي ترتديها شخصيات فلم « المصفوفة» ( ماتريكس) وهو الفيلم الذي قدم مشاهد أخاذة في عمليات تبادل إطلاق النار بين البطل ومطارديه .أمِن الممكن أن يكونا هاريس وكليبولد قد أرادا محاكاة رباطة الجأش الشديدة التي بدا عليها نيو الشخصية الرئيسية في الفيلم والتي قدمها الممثل كينو ريفز ، معتبرين ضحاياهما شبه أيقونات افتراضية أو جزءا من لعبة شغف تراجيدية من بنات أفكارهما ؟ وثمة واقعة أخرى في فيلم يوميات كرة السلة حيث يتخيل مدمن على المخدرات يُدعى جيم ( ليوناردو دي كابريو) أنه يقتحم مدرسته الثانوية ويفتح النار على الطلبة والمدرسين، هذه المشاهد تشبه بطريقة غريبة أحداث مدرسة كولمبين فهل استخدم الشابان المشهد الذي يصور خيالات جيم كموذج لهما ؟» . أن هذا الشغف المتزايد بأفلام الرعب قد يتسبب بمشكلات نفسية وذهنية فيصبح متلقيها كمدمن باحث « عن مخطئ يحمله وزر العدوانية المتراكمة داخليا، فيرى بأن الاعتداء مشروعا ولا يشكل عدوانا على قيمة إنسانية» وفي كثير من الأحيان يتقمص الفرد أدوار الشخصيات التي كان يتماهى معها حيث يتطور التماهي بفعل الزمن والتكرار فيأخذ أشكالا عدة للشخوص الذين كان يشاهدهم على الشاشة . ورغم أن أفلام الرعب لا تبدي حرصا ودقة في العديد من مستويات الواقع من حيث المعايير الموضوعية والأحداث لكنها مع ذلك تسعى بقوة إلى تصعيد الحدة الدراماتيكية إلى أقصاها للتأثير في المتلقي بغض النظر عما ستؤول إليه نتائج هذا التأثير الذي سيوفر لنا عرضه على الشاشة فرصة للإطلاع على أكثر جوانب وجودنا قتامة وأشدها خفاءً. بلاشك ان الآثار الناجمة عن الخوف الناتج من التعرض لأفلام الرعب يتحرر من سلسلة من التحولات البايولوجية في جسم المرء وبالتالي الهيمنة على الدماغ مما قد يترتب عليه بمرور الزمن والتراكم حدوث العديد من المشكلات الصحية لدى الأفراد ،  التي تقود إلى مختلف السلوكيات في اللاوعي. وقد يدرك المتلقي بأن خوفه غير منطقي وغير مبرر،ومع ذلك لا يستطيع التحكم بمشاعره وبما ينتابه من هلع وخوف. ومهما كان لون الرعب و مصدره فإنه يؤدي إلى نتائج غير محمودة لها توابعها على السلوك العام للمتلقي، كونه يرتبط باللاوعي و يستهدف بالدرجة الأساس إحكام السيطرة على العقل وتغييبه مقابل سطوة العاطفة .

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news