العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

هل يستوعب العرب الدرس من الوعود الكاذبة؟

بقلم: د. جيمس زغبي {

الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ - 03:00

عندما انتخب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية حذرت أصدقائي العرب ونصحتهم بتوخي الحذر حتى لا يضعوا بيضهم في سلة واحدة، حيث إنني كنت متأكدا أن تلك السلة الواحدة ستتداعى. في تلك الفترة كان الكثير من العرب يشعرون بمرارة الخيبة بعد تلك الآمال الأولى التي علقوها على إدارة الرئيس باراك أوباما، لذلك فقد كانوا يأملون أن يضع الرئيس الجديد دونالد ترامب سياسة أمريكية صارمة للتعامل مع سوريا وإيران والإيفاء بالوعد الذي قطعه على نفسه بوضع ما يسميه «صفقة القرن» وتحقيق نهاية عادلة للصراع بين إسرائيل والفلسطينيين. 

أظهر استطلاع الرأي الذي أجريناه في خريف سنة 2017 أن الكثير من العرب الذين شاركوا في سبر الآراء في بعض البلدان - ثلثهم على الأقل في مصر والأردن والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة- كانوا يأملون أن يحدث على الأقل بعض التغيير الإيجابي في ظل إدارة ترامب بشأن بعض القضايا. بعد مرور عامين ونصف تبددت كل تلك الآمال.

اتخذ ترامب قرارا بالانسحاب من الاتفاق النووي المبرم مع نظام طهران كما فرض عقوبات شديدة على إيران، وقد أظهرت استطلاعات الرأي التي أجريناها أن أصدقاءنا العرب كانوا يأملون على الأقل في كبح جماح الطموحات والأطماع الإقليمية الإيرانية. 

رغم أن تلك العقوبات المشددة التي فرضت على إيران قد تسببت في تفاقم الصعوبات الاقتصادية فإن نظام طهران قد ازداد عدوانية وجرأة. فقد تعزز موقف إيران في العراق بفضل الدور الذي تلعبه المليشيات المتحالفة مع الإيرانيين في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام «داعش».

تظل إيران أيضا محافظة على وجودها القوي في سوريا وهي تلقى كل الدعم من الوحدات العسكرية والطائفية القادمة من لبنان والعراق وأفغانستان والتي جاء بها الإيرانيون ودربوها وسلحوها وحولوها إلى ذراع عسكري لهم. 

استمر الدعم الإيراني القوي للمليشيات الحوثية في اليمن. وردا على العقوبات الأمريكية عمد الإيرانيون إلى إثارة المشاكل في منطقة الخليج، مع تصعيد التهديد بمنع الناقلات النفطية، إضافة إلى الهجوم الذي استهدف بعض الحقول النفطية السعودية التابعة لشركة أرامكو السعودية.

في الحقيقة فإن السياسة التي ينتهجها دونالد ترامب في العراق وسوريا لا تختلف عن تلك التي تبناها سلفه باراك أوباما. فقد وفر الدعم التكتيكي والعسكري والقوة الجوية للجيش الكردي الذي دربه الأمريكيون بهدف إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش. ورغم التهديدات اللفظية المتكررة من أجل منع الحكومة السورية من مهاجمة السكان المدنيين فإن ترامب لم يعط الضوء الأخضر إلا لهجوم جوي واحد استهدف قاعدة عسكرية سورية وذلك بعد 24 ساعة من التعبير عن نيته بتنفيذ الهجوم وذلك من أجل التقليل من الخسائر البشرية. أما بقية المناطق السورية قد تركت بأيدي القوات العسكرية السورية إضافة إلى روسيا وإيران. 

في تلك الأثناء لا تزال منطقة الشرق الأوسط تنتظر الإعلان عن تفاصيل «صفقة القرن» رغم مرور سنتين ونصف السنة. ورغم استمرار التأجيل فإن السياسات التي تنتجها إدارة ترامب قد أوضحت بعض خطوط ومعالم هذه الصفقة وهي تصب في صالح إسرائيل. فهي تسحب مسألة القدس من الطاولة وتقوض حقوق اللاجئين الذين لا يعتبرون من هذا المنظور لاجئين فيما تظل المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قابلة للتفاوض. 

لا شك أن الأحداث التي جدت في الشهر الماضي قد بددت تلك الآمال التي علقت على إدارة دونالد ترامب. فرغم ذلك الحديث القوي والتهديد والوعيد بشأن إيران فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد أظهرت أنها تكرر أقوالا بلا أفعال. 

بعد الهجمات التي استهدفت بعض الحقول النفطية السعودية اكتفت إدارة ترامب بعرض إرسال ألف جندي أمريكي إضافي إلى المملكة العربية السعودية. أما السفير الأمريكي لدى إسرائيل فقد قال علنا إن الولايات المتحدة الأمريكية لا ترغب في إزالة أي مستوطنة إسرائيلية من الأراضي الفلسطينية المحتلة.

يعتبر الكثيرون أن الرئيس ترامب قد أطلق رصاصة الرحمة على سياسته في الشرق الأوسط بعد أن اتخذ قراره بسحب القوات الأمريكية من الحدود الشمالية في سوريا، ليتخلى بذلك عن حلفائه الأكراد. هذا الانسحاب الأمريكي هو الذي مكن الجيش التركي من دخول شمال سوريا وإنشاء «منطقة آمنة» على أمل فرض «ترحيل» السوريين الذين طلبوا اللجوء في تركيا. 

أدى التخلي الأمريكي إلى إجبار الأكراد على التوصل إلى اتفاق مع الحكومة السورية والتخلي بالتالي عن تلك المناطق التي كانوا يأملون أن يقيموا فيها منطقة كردية تتمتع بالحكم الذاتي. خرجت روسيا وإيران أكبر منتصر من كل هذه الأحداث والتطورات. أما الخاسرون فهم بلا شك الأكراد والفلسطينيون، والعرب الذين كانوا يأملون أن تحدث إدارة ترامب تغييرا بناء في السياسة الأمريكية.

الحقيقة المحزنة هو أن الدور الأمريكي قد بدأ يتراجع منذ ذلك القرار الذي اتخذه جورج بوش الابن بغزو العرق والإطاحة بنظام صدام حسين في بغداد. فقد توهم جورج بوش آنذاك أن الاحتلال الأمريكي في العراق سيكون محل ترحاب وأن الديمقراطية ستزهر في العراق وتنتشر بعد ذلك في منطقة الشرق الأوسط الأوسط، وهو ما سيمكن الولايات المتحدة الأمريكية من أن تكون القوة المهيمنة في القرن الحادي والعشرين، والعكس تماما هو ما حدث، وفشلت كل الخطط التي وضعتها إدارة جورج بوش الابن. 

لقد وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها متورطة في المستنقع العراقي، فقد طال أمد الحرب ولم تخرج منها أمريكا منتصرة ثم تحولت الحرب إلى صراع طائفي دموي. عندها استعادت إيران جرأتها وأطلقت العنان لقوتها ووجدت لنفسها موطئ قدم في العراق ومناطق أخرى في المنطقة. أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد فقدت الاحترام واهتزت مكانتها وخرج جيشها من العراق ضعيفًا وجريحًا في معنوياته. 

سعيا لوقف النزيف أبدى الرئيس باراك أوباما تصميما على مغادرة العراق وهو ما حدث، غير أن رحيل الولايات المتحدة الأمريكية قد ترك فراغا ملأته إيران التي تنامت قوتها في العراق في ظل حكومة بغداد التي تنتهج سياسات طائفية، الأمر الذي أدى إلى ظهور تنظيم «داعش». 

عندما بدأ الربيع العربي لم تكن إدارة باراك أوباما واثقة من كيفية التعامل مع كل ذلك، لذلك فقد أخذ العرب الأمر بأيديهم من أجل إرساء النظام القديم. اندلعت الصراعات في سوريا، ثم ليبيا، ثم اليمن، حيث تداخلت القوى العالمية والأطراف الإقليمية الساعية للتأثير في النتيجة وضمان الحصول على الامتيازات. في كل حالة من هذه الحالات تجلى تراجع الدور الأمريكي الذي تحول إلى مجرد دور مساند في أفضل الأحوال. 

إن هذه الأوضاع البائسة هي التي جعلت بعض العرب يعلقون أملهم على الوعد الذي قطعه دونالد ترامب بالعمل أكثر مع الحكومات العربية وسعي القيادة الأمريكية للمساعدة في تسوية المشاكل التي تنخر الشرق الأوسط - أي إنهاء الحرب المدمرة في سوريا، والضغط على إيران كي تكف عن التدخل في شؤون الداخلية للعديد من الدول العربية وبذل أقصى الجهود من أجل إيجاد حل عادل للصراع بين إسرائيل والفلسطينيين. 

بعد مرور عامين ونصف العام، تجلت الحقيقة وتبددت تلك الوعود التي ذهبت في مهب الريح، لتجد المنطقة نفسها وحيدة في مواجهة القضايا الملحة التي لا تزال تنخر الشرق الأوسط. تتجلى إرهاصات هذه الحقيقة في كل مكان، وخاصة في تلك الحفاوة التي استقبل بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الدول العربية ومحاولة بعض الدول التواصل مع إيران، والإقرار -مع بعض التحفظ- بأنه يجب إشراك حكومة بشار الأسد، واستئناف الجهود الرامية إلى إجراء مفاوضات لإيجاد تسوية في اليمن، إضافة إلى وجود توجه للانفتاح على إسرائيل، وغيرها من الإرهاصات والتحولات الأخرى.

ختاما لا بد من القول إن العالم العربي في حاجة ماسة إلى أكثر من الوحدة. إن العالم العربي في حاجة إلى وحدة فعالة حتى يتمكن من مواجهة التحديات التي يواجهها. يجب على الدول العربية أن تبادر بوضع الآليات الإقليمية الكفيلة بإنهاء الصراعات وتنفيذ مبادرة السلام العربية ومعالجة أزمة اللاجئين. 

إن الوضع الراهن يحتم على الدول العربية أن تضع استراتيجية للاستثمار من أجل خلق فرص العمل وتحسين النظم التعليمية والنهوض بالرعاية الصحية، من أجل تحقيق التقدم وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تقدم المساعدة في مختلف هذه المجالات كما يمكن للقوى العالمية الأخرى أن تقدم يد المساعدة. 

يجب على العالم العربي ألا يعتمد أبدا بعد اليوم على وعود أي قوة أجنبية من أجل تحقيق ما يجب أن يحققه هو بنفسه.

‭{‬  رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news