العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عودة إلى موال الاستعلاء والعنصرية

على مدى السنوات القليلة الفائتة كتبت عن التمييز والاستعلاء بشتى أشكاله، عشرات المرات، ورأيي في كل أشكال الاستعلاء (العرقي/ الطبقي/ الاجتماعي/ القبلي/ العنصري/ الجندري وأعني بالأخيرة على وجه التحديد التمييز ضد المرأة لكونها أنثى)، رأيي هو أنه لا يمارس الاستعلاء إلا شخص مريض وناقص العقل وقليل الثقة بنفسه، فمن لا يحس بأنه شخص ذو قيمة إلا بالحط من قدر الآخرين هو في حقيقة الأمر يحس بالنقص ويصبح متغطرسا وعدوانيا لإخفاء ما به من نقص.

وكنت قبل أيام في جلسة مع بعض الأصدقاء وتكلمت عن كرهي للعنصريين ومن يستعلون على الغير بسبب إحساسهم بأنهم أرفع شأنا عائليا او قبليا او وظيفيا أو اجتماعيا، فقاطعني صديق ثم سألني متهكما: ولماذا اعترضت على زواج فلان ببنت صديقك فلان، عندما استشارك الصديق في الأمر؟ ألم يكن اعتراضك مبنيا على كون طالب الزواج محدود الإمكانات المادية؟ قلت: نعم. قال: ألست بهذا تكون منافقا، ترفض الاستعلاء الاجتماعي والطبقي وتعترض على زواج شخص من بنت صديقك لأنه غلبان؟ قلت له إنني لم أكن منافقا، وإنني بنيت اعتراضي على ذلك الشاب بالفعل على كونه محدود الإمكانات، ولأنني كنت أعرف من أكثر من مصدر أثق به أن صاحبنا ذاك، كان مضطرا إلى إنفاق دخله المحدود «بالكامل»، على عائلته الممتدة، ولم يكن قادرا على «فتح» بيت خاص به بأي مستوى، وأنه من الواضح أنه طلب الزواج بابنة صديقي لأنه يعرف ان راتبها الشهري كبير، وكان يخطط لأن يجعلها مسؤولة عن الإنفاق عليه وعلى «بيت الزوجية». بعبارة أخرى كان «أجمل» ما تتحلى به تلك الفتاة في نظر ذاك الراغب في الزواج بها «راتبها الشهري»: بنت حلوة وراتبها كبير، وأهلها «مبسوطون» وهي غير مطالبة بالإسهام في نفقات إعاشة أهلها، وتستطيع دفع إيجار المسكن والفواتير ونفقات الأكل والشرب واللبس و«الفسحة»، وربما تشتري لنا بيتا خاصا بنا من حر مالها.

واستنادا إلى المعطيات أعلاه قلت للصديق الذي اتهمني بالنفاق إن اعتراضي على زواج ذلك الشاب بابنة الصديق الذي طلب رأيي حول عرض الزيجة، كان من زاوية أنه طفيلي وانتهازي وليس لأنه محدود الدخل. وبكل صدق أقول إنه ليس- أصلا- واردا أن أعترض على زواج شخص حتى من بنتي لأن موارده المالية ضعيفة، فعلى المستوى الشخصي دخلت تجربة الزواج وجيبي كفؤاد أم موسى يعاني من الجفاف والتصحر.. ولكن بحمد الله «مشى الحال»، واجتهدت حتى أضمن لعيالي حياة أفضل من تلك التي عشتها كطفل وصبي، مع التركيز على إبعادهم من نظام تعليمي سبب لي إعاقات مازلت أعاني منها (كتب مرارا عن بنت لي كانت سليطة اللسان في طفولتها، وكانت كلما رفضت لها طلبا لأنني لا أملك المال اللازم تسأل أمها: ليه ما تزوجت شخصا غنيا؟ وبدلا من أن تطيب خاطري وتفحم البنت برد صارم وصادم وقاسٍ، كانت زوجتي ترد عليها: القسمة والنصيب يا بنتي!!).

في جامعة فري ستيت في جوهانسبيرغ بجنوب إفريقيا تسرب شريط فيديو أعده أربعة من الطلاب البيض الآفريكانز (ذوي الأصول الهولندية وهي السلالة التي مارست أبشع أنواع التنكيل بالسود في جنوب إفريقيا على مدى قرون). الشريط يظهر الطلاب وهم يتبولون على القهوة والشوربة ويمرغون قطع اللحم في سلة القاذورات ثم يقدمونها للعمال السود المسؤولين عن نظافة مرافق السكن الجامعي، هؤلاء قوم تعشش العنصرية في جيناتهم؛ ولم يقولوا إن السود وبعد أن آل إليهم الحكم غفروا لنا إذلالنا إياهم، وسمحوا لنا بالبقاء في ديارهم معززين مكرمين. لا بل ما زالوا يعتقدون أن الله خلق السود ليكونوا سوائم يسومهم البيض سوء العذاب، ولكن لم يعد للعنصريين جبروت في جنوب إفريقيا، والطلاب الأربعة القذرون اختفوا عن الأنظار، ثم سلموا أنفسهم إلى الشرطة خوف الوقوع في أيدي زملائهم السود فيسودون عيشتهم.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news