العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

كيف تخرج من سجنك

تناولت في مقالي ليوم أمس أمر الحياة اليومية التي صارت ميسورة بمعنى توافر الأدوات والوسائل لتسيير شؤوننا من دون الحاجة الى كثير جهد جسماني، ومع هذا صارت الشكوى من الإرهاق النفسي والجسماني وبائية، وعرجت عن ان ضعف الوعي الصحي يجعل كثيرين منا يخفون ما يعانون من اضطرابات نفسية، أو يلجأون الى مشعوذين يستنزفون مواردهم المالية وما تبقى من صحة من يعاني من تلك الاضطرابات.

تقول العالمة النفسانية البريطانية الشهيرة دوروثي راو، مؤلفة كتاب «الاكتئاب: كيف تخرج من سجنك Depression: The Way Out of Your Prison:» إن حياتنا صارت أفضل وطموحاتنا أكبر، فقد صرنا نريد وظائف ترفع مكانتنا الاجتماعية وتوفر لنا الموارد لاقتناء مساكن وملابس فاخرة، ونعرض أنفسنا لشتى أنوع الضغوط كي نبدو سعداء وبشوشين، على الأقل في أنظار من هم من حولنا، ونحلم بأن الزواج سيجعلنا أكثر سعادة، ونصرف الشيء الفلاني لإتمام مراسيم الزواج، ولهذا نعمل ساعات أطول، ولكن وفي كثير من الأحوال، لا تسير الأمور وفق ما نشتهي ولا نصبح مبغبغين ومنغنغين وكاشخين ومنفوخين، بل نزداد قلقا لأننا لم نحقق ما نصبو إليه، وحقيقة الأمر هي أن ربط السعادة بالوظيفة الكبيرة وبالمال الوفير صار هوسا مرضيا، والحقيقة الأخرى هي أنه لم يعد هناك أمن وظيفي، فقد يفقد الانسان وظيفته من دون سابق انذار، كما ان التكنولوجيا التي جعلت الحياة سهلة جردت الحياة من طعمها البشري، وصار كل منا يعيش في جزيرة معزولة ويتواصل مع أقرب الأقربين هاتفيا بل، وقد «نستخسر» على بعضنا البعض التواصل الصوتي عبر الهاتف ونكتفي بالرسائل النصية القصيرة، وبعبارة أخرى صار التزاور موضة قديمة، حتى صار الأخ لا يدخل بيت أخيه إلا إذا كان مدعوا ضمن آخرين الى وليمة وإلا للشديد القوي مثل المرض والموت.

وتنبه الدكتورة دوروثي راو زملاءها الأطباء النفسانيين الى  عدم عزو أبسط الانفعالات النفسية مثل الإحساس بالتعاسة والحزن والأرق الى «الاكتئاب المرضي»، وجاء في كتاب فقدان الحزن: كيف حوَّل الطب النفسي الأسى العادي الى اضطرابات اكتئابية The Loss of Sadness: How Psychiatry Transformed Normal Sorrow into Depressive Disorder  من تأليف ألن هورويتز وجيروم ويكفيلد، إن الطب النفسي صار يفسر أشياء تحدث لمعظم الناس في مواقف معينة كعرض/أعراض للاكتئاب، وينبهان الى ضرورة التأكد من ان تلك الأعراض لها مسببات فعلية: طلاق.. موت.. إفلاس.. بمعنى عدم الخلط بين «التعاسة» والاكتئاب الذي يسبب تشكيلة من الأعراض في غياب مسببات محسوسة ومؤكدة.

ومصداقا لما قاله ويكفيلد وهورويتز أنظر إلى بعض ما يقوله الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية الذي يهتدي به الأطباء النفسانيون في كل مكان، كمؤشر لمعاناة شخص ما من مرض نفسي: ردود الأفعال غير المناسبة، القلق والمصحوب بالرغبة في الانتقال من موضع الى آخر، الإحساس بالدوخة، فقدان الثقة بالنفس، تقلب المزاج، فقدان القدرة على التركيز، التردد في اتخاذ القرارات، الخمول، الرجفة، التعرق، سرعة الغضب، فقدان او زيادة الوزن خلال فترة قصيرة، تغير العادات من حيث المظهر والنظافة العامة (هايجين) الاحساس باليأس، السلوك غير المعهود، العدوانية.. إلخ.. شخصيا أعاني من نحو خمسة من تلك الأعراض عدة مرات في السنة، بل عانيت من بعضها وأنا أكتب هذه السطور، وإذا كنت عزيزي القارئ لم تتعرض لأي من الأحاسيس والأشياء خلال الأشهر الستة الماضية فأنت «غير طبيعي» وتعاني من تبلد الأحاسيس. بس هناك نقطة مهمة: أنا لا أفهم كثير شيء في الطب النفسي، ولهذا فإن  كلامي أعلاه لا يعني أن يقوم كل واحد منا بتشخيص حالته النفسية، بالعكس ما أتمناه هو أن ندرك أن اللجوء للطب النفسي ليس عيبا وليس دليل إصابة بخلل عقلي، بل هو ضرورة، لأنه على الأقل يعطيك المفاتيح الصحيحة للتعامل مع المواقف التي قد تؤدي ولو الى اضطراب نفسي مؤقت، وحتى لو أخطأ الطب في تشخيص بعض الحالات فمن المؤكد أنه أخرج الملايين من درك اليأس بل وجدد حب الحياة في من كانوا يخططون للانتحار.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news