العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الدور المحوري لمملكة البحرين تجاه الأمن البحري

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ - 03:00

يتزامن نشر هذا المقال مع استضافة مملكة البحرين لأعمال القمة العالمية للأمن البحري، تلك القضية التي أضحت تحظى باهتمام العالم أجمع وخاصة بعد الاعتداءات التي تعرضت لها ناقلات النفط قبالة سواحل الإمارات وخليج عمان، فضلاً عن استهداف منشأة أرامكو السعودية، وبرأيي أن تلك الحوادث لم تكن منشئة فقط لتلك المخاطر التي تستهدف أمن الطاقة عمومًا بل انها كانت كاشفة لواقع تلك المخاطر وآثارها على الأمن الإقليمي والأمن العالمي على حد سواء إذ أن الأمر لا يرتبط بتهديدات معتادة بل انها غير مسبوقة، صحيح أن المنطقة شهدت تلك التهديدات من قبل فيما عرف بحرب الناقلات خلال الحرب العراقية –الإيرانية إلا أن الدول الكبرى تصدت عسكريًا لتلك التهديدات بما يعنيه ذلك من أن العالم أجمع أمام لحظة اختبار حقيقية لحماية أمن الطاقة في الخليج مجددًا وهو الأمر الذي تضمنته الكلمة السامية لجلالة الملك خلال افتتاح دور الانعقاد الثاني من الفصل التشريعي الخامس لمجلسي الشورى والنواب والتي جاء فيها «من مياه الخليج العربي تنطلق خمس احتياجات العالم من النفط والغاز وبالتالي فإن أي تهديد لحرية الملاحة يعتبر معطلاً للتجارة العالمية ومربكًا لأسعار النفط، كما يعد تحديًا للنظام العالمي، لذا فإنه على المجتمع الدولي أن يتكاتف لاتخاذ خطوات حازمة لردع المخالف والمعتدي وإلزامه بالقوانين والمعاهدات الدولية المتعلقة بالسلامة البحرية للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين».

 وفي خضم هذا الاهتمام الإقليمي والعالمي لتأمين الملاحة في الخليج العربي يعد دور مملكة البحرين محوريًا ضمن ذلك الاهتمام ليس لموقعها الاستراتيجي فحسب بل في ظل ما تحظى به من شراكات وتحالفات دولية عززت من ذلك الدور وجعلت المملكة نقطة الالتقاء الرئيسية لكافة الجهود الداعية لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي ارتكازًا على أربعة أسس. الأول: التعاون مع المجموعات البحرية الثلاث المتخصصة والمعروفة باسم «قوات الواجب المشترك» (150-151-152) والتي تختص بالأمن الملاحي، ومكافحة القرصنة، والتعاون بشأن أمن الخليج العربي وذلك على التوالي، والثاني: حصول مملكة البحرين كأول دولة خليجية على صفة حليف من خارج حلف الناتو عام 2002 وهي تسمية تقدم للحلفاء الذين لديهم علاقات عمل استراتيجية مع القوات المسلحة الأمريكية والاطلسية، بيد أنهم ليسوا أعضاء في حلف الناتو, وبموجب تلك الصفقة تحصل الدولة على مجموعة متنوعة من المزايا العسكرية والمالية التي لا يمكن الحصول عليها من قبل الدول الأخرى غير الأعضاء في الحلف, والثالث: انضمام البحرين لمبادرة استانبول للتعاون الاستراتيجي مع حلف الناتو عام 2004, والرابع: توقيع مملكة البحرين اتفاق تسهيلات الإسناد البحري للبحرية الملكية البريطانية عام 2016. 

وجميعها مقومات تمثل ركائز أساسية لدور مملكة البحرين ضمن الجهود الإقليمية والدولية للحفاظ على الأمن البحري، بالإضافة إلى الخبرات العملية التي اكتسبها سلاح البحرية الملكي البحريني خلال دوره تجاه الحفاظ على الأمن الإقليمي والأمن العالمي من خلال تبادل قيادة قوات الواجب المشتركة المشار إليها، بالإضافة إلى المشاركة في عدد من المناورات البحرية والتي تضمنت التعامل مع التهديدات البحرية.

وتأسيسًا على ما سبق فقد أعلنت مملكة البحرين الانضمام للتحالف الدولي الذي أعلنت الولايات المتحدة تأسيسه لأمن وحماية الملاحة البحرية كأول دولة خليجية تلتها المملكة العربية السعودية ثم دولة الإمارات العربية المتحدة إلى جانب كل من أستراليا والمملكة المتحدة، وهو الأمر الذي حظي بإشادة الولايات المتحدة الأمريكية, ففي هذا السياق قال مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي «نشكر جلالة ملك البحرين على انضمام بلاده للمهمة الأمنية البحرية في المنطقة». 

وبرأيي أن الرؤية الاستراتيجية البحرينية للتعامل مع هذا الخطر تتأسس على اعتبارات ثلاثة أولها: ترسيخ الشراكات الاستراتيجية لمواجهة تهديد مشترك يرتبط بالأمن القومي للجميع, وليس أدل على ذلك من أن أمن الطاقة وطرق المرور لاتزال تستحوذ على جل اهتمامات استراتيجيات الأمن القومي للدول الغربية، وثانيها: أنه إذا كان أمن العالم يبدأ من الخليج فإن جوهر ذلك الأمن هو حماية الممرات البحرية التي تمثل الشرايين الرئيسية للتجارة العالمية عمومًا وفي بؤرتها النفط، وثالثها: أن أي مساس بأمن الإمدادات النفطية وخاصة محاولات السيطرة على طرق المرور أو تهديد الملاحة فيها يعد تهديدًا لموازين القوى القائمة وبالتالي فإن التساهل إزاءها سوف يسفر عن تغيرات استراتيجية سيكون لها آثار بعيدة المدى على منظومة الأمن الإقليمي بأسرها. 

إن الإجتماع المرتقب ليس هو الاجتماع الأول من نوعه حيث استضافت المملكة اجتماعًا لمناقشة أمن الملاحة في الخليج العربي في يوليو من العام الحالي، وبغض النظر عن النتائج التي سوف تسفر عنها القمة البحرية الدولية التي سوف تستمر على مدى يومين أتصور أنها تعد لقاءً مهمًا للغاية لثلاثة أسباب, الأول: إعادة تأكيد الالتزام الدولي بأمن منطقة الخليج العربي بما يدحض الادعاءات بانحسار الأهمية النسبية لتلك المنطقة ضمن أولويات الدول الكبرى، حيث يجيء انعقاد القمة تزامنًا مع إعلان وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر عن إرسال نحو 3 آلاف جندي أمريكي إضافي وقوة استطلاع جوي وبطاريتي «باتريوت»، فضلاً عن سربين من الطائرات المقاتلة الدفاعية وصواريخ «ثاد» و«باتريوت» من أجل تعزيز القدرات الدفاعية في السعودية، والثاني: ستكون فرصة لمناقشة ليس فقط تهديدات الأمن البحري بل مدى إسهام كل طرف في التصدي لها، فبغض النظر عن طبيعة التحالف الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تأسيسه لهذا الغرض فإنه يظل مرتهنًا بتساؤلات تأسيس التحالفات عمومًا والتي حددها الجنرال ويسلي كلارك القائد السابق لقوات حلف شمال الأطلسي «الناتو» بالقول «من هو العدو؟ من نحن؟ ماذا نريد أن نحققه؟ كيف؟»، وجميعها تساؤلات محورية ترتبط بعملية تأسيس التحالف وآليات عمله، والثالث: أن القمة ستكون فرصة لمناقشة الرؤية الأمريكية ونظيرتها الأوروبية، فعلى الرغم من وجود إجماع بين الجانبين على المهددات إلا أن هناك تباينًا بشأن آليات المواجهة, فالمقترح الأمريكي هو تأسيس تحالف بحري تتولى الولايات المتحدة خلاله عمليات المراقبة البحرية والاستطلاع وتوفير سفن حربية لهذا الغرض، أما الدول الأخرى فيجب أن تقدم سفنًا لتسيير دوريات بالقرب من سفن القيادة وتوفر أفرادًا لمرافقة سفن بلادها وناقلات النفط التي تحمل أعلامها، أما الدول الأوروبية فترى إمكانية حماية الأمن البحري دون حضور عسكري مباشر في الخليج، وربما تعمل على تأسيس تحالف مواز للتحالف الأمريكي.

ومع أهمية مقومات تأسيس التحالفات عمومًا فإن ركائزها الإقليمية تبقى ضرورة استراتيجية لنجاحها وديمومتها. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news