العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

مخاطر التعصب في زمن المجتمع الإلكتروني

بقلم: د. فاضل البدراني {

الاثنين ٢١ أكتوبر ٢٠١٩ - 03:00

يقدم جبران خليل جبران رأيا جميلا في وزن القلب والعقل ضمن جدلية الكلام الزائد عن حده والسكوت لأجل الإصغاء، إذ يرى أن «منبر الإنسانية قلبها الصامت لا عقلها الثرثار».

وضمن هذه الجدلية الفلسفية ينبغي أن نشاطر بعضنا بعضا بإثارة جدلية الموقف من الآخر، الذي لم يعد شريكنا بالرأي والرؤية على أنه نواة لمنظومة قيمية مجتمعية، وهامت بنا أفكار الشك وشاخت في عقولنا الكراهية وأنتجت كرها متجذرا ضد الآخر على أنه يمارس الاستفزاز ضدنا، وقد يكون الآخر بتلك اللحظة يتودد لنا، بينما ننفره ونتنمر ضده ونستفزه، ليس لسبب سوى أنه أكثر توددا لنا، ننعته بضعف الشخصية، وسلوكه منقوص، أو لا طعم له، وهو الحكم الأناني الذي ينبغي فرز مسبباته المضرة بصياغة خطاب معتدل للمجتمع، وتتجسد في هذا الخلاف كله غياب لغة الحوار.

العالم بات مشوها مشوشا، ماديا، نافرا كل سلوكيات الماضي على انها تخلف، وتحت مبررات التطلع لواقع ومستقبل أفضل، سقط في ورطة التقليد، وكذلك الانفعال والصوت العالي والتكبر، وحرم نفسه والجميع متعة التعاطي مع الواقع، والقاعدة الاجتماعية تقول من لا تصنعه التجارب والمعايشة الحياتية لن يكون سوى رقما في الحياة، ومن يريد أن يكون اسما فيتطلب منه مواكبة عملية التنشئة من بدايتها وضمن منهجيتها الصحيحة.

يمكن أن نصنع أكبر عمارة بوقت قياسي، وربما الصين مشهورة بسباق البناء مع الزمن، لكن من الصعوبة بمكان صناعة عقل في سباق مع الزمن، بل التعامل مع الزمن ضمن عملية استثماره لزمن طويل وبناء تنشئة اجتماعية سليمة يواجه فيها الأطفال والشباب متطلبات الحياة، وخوض تجربة البناء العقلي بالتدرج.

فالعالم الاصطناعي بات أسيرا للتكنولوجيا ومحركاتها الآلية لا العقلية، النتاج الفكري الجاهز والمستنسخ هو الفعل الذي يحرك أصابع أيدينا لا عقولنا مثلما تواجهنا يوميا سيل الرسائل المتدفقة عبر تطبيقات الواتساب وشقيقاتها في منصات الإعلام الاجتماعي في زمن الريموت الإلكتروني، لهذا حين نتحاور تتزاحم كلماتنا وتصبح أسيرة لعواطفنا التي غالبا ما تستفز بسرعة لمجرد مواجهتنا للرأي الآخر الذي قال فيه المتنبي «الرأي قبل شجاعة الشجعان، فهو الأول، وهي المقام الثاني» وقد يكون صمتنا فرصة للإصغاء للآخر بخلاف رأي الكثيرين الذين يفسرون الصمت بالضعف. 

فالمجتمع يقع تحت تأثير حالتين الأولى تنطوي على سمة التعصب والانغلاق لبعدنا عن الثقافة والوعي الحقيقي، والحالة الثانية الطبخة الجاهزة للأفكار والمعلومات المتوافرة في الإنترنت والثقافة الإلكترونية، على الرغم من توافر أسباب النهوض بالوعي الفكري التي تتجسد بالمحن والصعوبات الجمة التي تواجه المجتمع، لكننا قد لا ندرك بأن المحن تمنحنا الإبداع.

الحراك المقتضب الدائر بين صفوف الأحزاب والقوى السياسية على صعيد عالمي في عصرنا الرقمي، لم يعد يحتمل السكوت عنه كونه يلحق بالمجتمع ضررا كبيرا، ودلالاته في الحاجة للوعي الحقيقي الذي يتكفل بكنس المخلفات والترسبات وتحرير العقول من الجهل والكراهية والتعصب.

 ‭{‬ أكاديمي وإعلامي عراقي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news