العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٧ - الخميس ٢١ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

نعـم لِتَـدَيـُنْ الـسـيـاسة.. ولا لتسييس الدين!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٢٠ أكتوبر ٢٠١٩ - 03:00

آفة ما سمي بـ(ثورات الربيع العربي) وسبب فشلها أنها بدل أن تُدَيِنْ السياسة قامت بتسييس الدين، وهذا هو خطؤها، بل خطيئتها، ذلك أن السياسة نشاط من أنشطة الإسلام، وفرع من شجرته المباركة، وشجرة الإسلام تضم فروعًا كثيرة منها: السياسة، فلا يصح أن يوصف الكل بالجزء، بل الأصح أن يوصف الجزء بالكل، فمثلاً: لا يصح ولا ينبغي أن نقول: إسلام سياسي، أو إسلام حضاري، أو إسلام فلسفي، بل الأولى أن نقول: سياسة إسلامية، وحضارة إسلامية، وفلسفة إسلامية، فكل هذه الأنشطة أغصان في دوحة الإسلام العظيمة.

لهذا، فحين أخضع الثوار الذين تصدروا المشهد الثوري في ثورات الربيع العربي الإسلام للسياسة، فإنهم بذلك قد لوثوا نقاء الإسلام، وأساءوا إليه وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا، ولو قرأنا الواقع الذي آل إليه أمر الشعوب العربية مع هذه الثورات فنستطيع أن نقول ودون شعور بالحرج أن هؤلاء الذين حملوا رايات الإصلاح كانوا في الواقع يريدون السلطة ربما ظنًا منهم أنهم يحسنون صنعًا، وأنهم سوف يستخدمون السلطة في الإصلاح، ورفع الظلم عن الأمة، ولكن الذي حصل غير ذلك تمامًا، فإن أوضاع المسلمين بعد سقوط الأنظمة السابقة صارت أسوأ حالاً عن ذي قبل ليس لأن هذه الأنظمة صالحة بل لأن هذه الثورات لم تأت بأناس ينكرون ذواتهم في سبيل خدمة الأمة والدفاع عن حقوقها المستباحة، وأصبح كل فصيل من الفصائل التي شاركت في هذه الثورات بمجرد أن يقفز على كرسي السلطة يعيد نفس السيناريو الذي سار عليه النظام السابق، وأتذكر أني شاهدت فيلمًا أمريكيًا يروي قصة ثوار ثاروا على النظام السابق الذي كان يحكمهم، وكان يذيقهم أشد ألوان العذاب، ولما تمكنوا من الحكم بعد أن أسقطوا النظام السابق أعادوا نفس السيناريو السابق، فاستولوا على القصور، ووضعوا أيديهم على أموال الشعب الذي ساندهم ووقف معهم، واستولوا على المناصب السياسية، بل لقد جاءوا برئيس المخابرات الذي كان يلاحقهم أيام الثورة، وكان ينزل بهم أشد ألوان العذاب، فجعلوه رئيسًا للمخابرات (الثورية) ليقوم بنفس الدور (القذر) الذي كان يقوم به في النظام السابق، ويذيق خصوم الثوار نفس ما أذاقه للثوار في الماضي.

وكأن مخرج الفيلم يريد أن يؤكد أن التاريخ يعيد نفسه وذلك حين يكون الباعث للثورة وإن بدا في الظاهر هو الثورة على الظلم، وإسقاط أهله إلا أنها- أي الثورة- مجرد ستار عند البعض يخفي وراءه الثوار أطماعهم في السلطة، وحرصهم على تحقيق أقصى ما يستطيعون من مصالحهم الخاصة، وهذا ما حدث بالضبط في عصر ما سمي بثورات الربيع العربي، إضافة إلى ذلك، فإن هناك أيد خفية كانت وراء هذه الثورات ومن صالحها إزالة الأنظمة السابقة التي استنفدت أغراضها، وانتهت تواريخ صلاحيتها، وأصبح بعض حكام هذه الدول والقائمون على شؤونها أوراقًا نقدية غير قابلة للتداول لأنها فقدت قوتها الشرائية، وصارت مجرد أوراق لا تساوي الأحبار التي كتبت بها، ولا الإكليشياهات التي رسمت بها.

وتبدو الأيدي الخفية تتجلى في النظرية التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندا ليزا رايس، وهي: نظرية (الفوضى الخَلاقة)، وكنا نظن في بداية الأمر أن هذه النظرية مجرد تلاعب بالألفاظ لأنه من غير المنطقي، بل من المستحيل أن تنتج الفوضى خلقًا وإبداعًا، ولكن حين اكتشفنا أن الجهتين منفكتان بمعنى أن الفوضى لصالح جهة، والخلق والإبداع لصالح جهة أخرى، أي أن المؤامرة التي دبرت بليل شديد الظلمة كان الهدف من ورائها أن تعيش الأمة الإسلامية في حالة انعدام وزن سياسي ليتمكن خصومها من إعادة برمجتها لتخدم مصالح الدول الاستعمارية، وان ينشغل الجميع بالجميع، وأما الخلق والإبداع فهو لصالح الدولة التي خططت وكانت وراء المنفذين لهذه النظرية (العجيبة الخبيثة).

كانت المؤامرة تقتضي إسقاط الأنظمة السابقة حتى تتمكن الدولة صاحبة النظرية أن ترسم الحدود من جديد، وتأتي بأناس إلى السلطة لم تلوث سمعتهم بعد ليكونوا مقبولين عند شعوبهم ولو لفترة محدودة ويعينوا هذه الدولة المستعمرة على تحقيق مصالحها دون عقبات، ولأن تلك الأنظمة العربية قد فقدت مبرر وجودها، وظهر فسادها في البر والبحر، فسقطت تلك الأنظمة لأنها تحمل في ذاتها أسباب سقوطها، وانهارت لأنها فيها القابلية على الانهيار لفسادها وطغيانها.

إن من يدرس أسباب نشوء الحضارات وسقوطها سوف يكتشف ودون أدنى صعوبة أن العامل الأخلاقي كان السبب الحقيقي وراء النهوض والسقوط لهذه الحضارات، وكما يصح هذا على الحضارات يصح كذلك على الدول لأن القانون الذي يحكمها واحد، وصدق رسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم) حين قال: [إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق] عن أبي هريرة (رضي الله عنه) السلسلة الصحيحة للألباني، والحديث صحيح.

ورحم الله تعالى أمير الشعراء أحمد شوقي حين لخص هذا القانون في قوله:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت 

 فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

نعم كنا نظن أن من صاغ عبارة: الفوضى الخَلاقة، ومن رتب عناصر المعادلة قد خانه التوفيق، ولكننا حين تدبرنا هذه المعادلة تأكد لنا أن من وضعها ومن رتب مفرداتها على هذا النحو الخادع إنما فعل ذلك لإدراكه أن الأمة في شوق إلى الخلاص من الأنظمة الفاسدة التي لم تعد صالحة للاستمرار، ورغبتها في نظام جديد يقوم على العدل والمشاركة السياسية، ولم تعلم الأمة ان الأمر قد دبر بليل، وأن من صاغ هذه المعادلة على هذا النحو كان يسعى إلى استبدال طغاة بطغاة، وأن الغاية التي ثار من أجلها شباب الأمة، وأسقطوا عن طريقها الأنظمة الفاسدة, قد انحرف بها المتصدرون للمشهد السياسي عن مسارها الشريف، وتم توظيفها لصالح فئة بعينها، ولصالح فصيل من فصائل الثورة.

إذا، فنحن نطالب بِتَدين السياسة وتهذيبها، وإزالة ما علق بها من فساد، ولا نسعى وراء تسييس الدين، أي إخضاعه ولَيِّ نصوصه المباركة لخدمة أغراض سياسية لهذه الفئة أو لتلك، ورحم الله تعالى الإمام محمد متولي الشعراوي، فله عبارة مشهورة هي قوله: نحن لا نريد أن نحكم بالإسلام، بل نريد أن نُحْكَمْ بالإسلام، أي: المهم أن يحكمنا الإسلام، وتحكمنا شريعته، وليس مهمًا من يحكمنا، ولذلك لما جاء الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري (رضي الله عنه) يطلب الإمارة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو ذر من هو في إسلامه، فقد قال عنه الرسول (صلى الله عليه وسلم): [لم تحمل الغبراء ولم تظل الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر] هذا عن إيمانه ويقينه، ولكنه لا يصلح للسياسة، قال له: [يا أبا ذر! إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على إثنين، ولا تولين مال اليتيم] رواه مسلم.

وقال له لما طلب الإمارة: [يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة، خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها] رواه مسلم.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news