العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٧٧ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٠ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

تركيا تتعثر سياسيا في الشمال السوري

سياسيا، يمكن القول بأن النظام التركي أخفق في صورة لا تحتاج إلى وضوح أكثر أظهرتها ردود الأفعال على عدوانه الأخير ضد الجمهورية العربية السورية، فالنظام التركي فشل في تسويق أكذوبة «الدفاع عن الأمن الوطني التركي» لتبرير عدوانه الأخير واجتياحه العديد من المدن والبلدات السورية وتسببه في نزوح مئات الآلاف من ديارهم، ناهيك عن الخسائر البشرية والمادية التي ألحقها الجيش التركي والمتحالفين معه من الجماعات المسلحة السورية وغيرها، فهناك زخم سياسي إقليمي وعالمي آخذ في التصاعد ومطالبة الحكومة التركية بالتوقف عن هذا العدوان الذي يعد من حيث القانون الدولي انتهاكا لحرمة وأراض وسيادة دولة مستقلة، ناهيك عن الأضرار الكبيرة التي يتسبب فيها للمدنيين السوريين ومساهمته في مضاعفة المأساة التي يعاني منها أبناء الشعب السوري.

النظام التركي، ورغم الرفض العربي والدولي لحججه التي يحاول من خلالها تبرير هذا العدوان، بات يشعر بالحصار السياسي وبأن دائرة الرفض الإقليمي والدولي لما أقدم عليه بدأت تضيق أكثر، إذ لم يلق تأييدا سوى من دولتين أو ثلاث فقط، وهي الصومال وقطر وباكستان، والدمية التركية في طرابلس الليبية، في حين تأتي المعارضة السياسية والعملية الأشد من جانب أقرب حلفائه وفي مقدمتهم  الأوربيون الذين أعلنت دولهم واحدة تلو الأخرى تعليق صادرات السلاح إلى تركيا، في حين شرعت الولايات المتحدة الأمريكية في فرض بعض العقوبات، غير المؤثرة حتى الآن.

مثل هذه الإجراءات التي اتخذتها بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، وإن كانت غير مؤثرة من الناحية العسكرية، على الجانب التركي ذلك أنها ليست بالإجراءات التي يمكن أن نجبره على وقف عدوانه، إلا أنها من الناحية السياسية ذات مغزى ومضامين كبيرة وعميقة، في مقدمتها أنها تظهر العزلة السياسية التي تحيط بالنظام التركي جراء ما أقدم عليه من عدوان، وبغض النظر عن الدوافع التي تقف وراء قرارات وإجراءات هذه الدول التي هي بالأساسي من الدول التي اسهمت وساعدت على تدمير سوريا، فإنها إجراءات لا تصب في مصلحة النظام التركي السياسية.

فالدول الأوروبية وأمريكا اتخذت مثل هذه المواقف دفاعا عن «حلفائهم» الأكراد السوريين بالدرجة الأولى، هؤلاء «الحلفاء» الذين استخدمتهم هذه الدول كوقود في حربها ضد ما يسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام، في الوقت الذي يتحدث فيه النظام التركي عن سعيه لتأمين حدوده من الجماعات الإرهابية، وهو يقصد هنا بالدرجة الأولى الأكراد السوريين الذين يتهمهم بالتحالف مع حزب العمال الكردستاني التركي الذي قاتل حكومة أنقرة منذ عدة سنوات، وبالتالي فنحن هنا أمام تعارض مصالح بين الحلفاء أنفسهم، أي تركيا والدول الأوروبية وأمريكا، هذا التعارض من حيث النتائج التي أفرزها العدوان التركي صبت في صالح الحكومة السورية التي ترى في مشروع الأكراد تهديدا لوحدة الدولة والوطن السوري.

فاستفادة الحكومة السورية، عسكريا، من نتائج العدوان التركي، سواء من حيث قيام الولايات المتحدة الأمريكية بسحب قواتها من بعض مناطق الشمال السوري، أو إضعاف الجماعات الكردية السورية المسلحة ودفعها للاحتماء بالحكومة السورية وتمكين الجيش السوري من بسط سيطرته على المدن التي كانت تتواجد فيها هذه الجماعات، كل ذلك لم يمنع الدولة السورية من إدانة الغزو التركي واعتباره احتلالا من جانب قوات أجنبية وتعهد الحكومة السورية بمقاومته بشتى الوسائل المشروعة، رغم أن تركيا غازلت دمشق بغمزات غير مباشرة، وخاصة بعد دخول وحدات من الجيش السوري إلى بعض المدن في الشمال ووصوله إلى الحدود التركية، ثم إن إعلان أهداف أمنية خالصة من وراء عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية، لا ينزع الصفة العدوانية عن هذه العمليات ولا يسقط الهواجس الخطيرة التي تحيط بالنوايا الاستراتيجية للحكومة التركية فيما يتعلق بالوضع الديمغرافي للمناطق السورية التي احتلتها حتى الآن، وما يعزز من جدية هذه الهواجس، ما هو حاصل على الأرض، أي في المناطق الشمالية السورية التي سبق أن احتلتها القوات التركية من قبل عبر توغلات عسكرية داخل الأراضي السورية تحت مسميات «درع الفرات» و«غصن الزيتون»، حيث تجري في هذه المناطق أعمال تغيير فعلية للهوية الديمغرافية عبر عملية «تتريك»، بل وصل الأمر إلى حد إعلان نية تركيا فتح ثلاث كليات تركية في بلدات إعزاز والباب وعفرين شمال حلب رغما عن إرادة الحكومة السورية، الأمر الذي يؤكد أن هناك مخاطر حقيقية تقف وراء أهداف تركية خطيرة غير معلنة، الأمر الذي يتطلب قبل كل شيء تصعيد مواقف الرفض العربية لهذه الأهداف وفضحها.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news